فلما بعث الله نبيه المجتبى، سيدنا وحبيبنا المصطفى، دعا إلى الإسلام في جاهلية جهلاء، وفي غربة عمياء لم يستجب له في أول الأمر إلا الواحد بعد الواحد من كل قبيلة، والمستجيب له يحس ويشعر بغربة عجيبة، مع استضعاف وتعذيب وحبس وقتل وتشريد وطرد إلى البلاد النائية كهجرتهم: من مكة إلى الحبشة مرتين، واللائحة من المحن طويلة والحبل إليها جرار.
ثم ظهر الإسلام ظهورًا واسعًا بعد الهجرة إلى المدينة وعزَّ، وقويت الشوكة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وأكمل الله لهم الدين، وأتمَّ عليهم النعمة، وتوفي رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-والأمر على ذلك.
وأهل الإسلام على غاية من الاستقامة في دينهم، وهم متعاونون، متعاضدون، متناصرون يُسر بهم الحبيب، ولا يَشمت فيهم العدو، بل: إن أمر المسلمين كان يَغيظ العدوَّ ويؤلمه لما يرى ما هم عليه من الخير و (الحضارة) [1] والسؤدد والتناصر والرفعة.
إلى الصدر الثاني من خلافة أمير المؤمنين عثمان-رضي الله تعالى عنه-اندس بين المؤمنين أشخاص يكرهون الإسلام والمسلمين، واجتهدوا بنشر المكائد والإشاعات والشائعات ضد أمير المؤمنين عثمان بن عفان، إلى أن حلت الكارثة بالإسلام والمسلمين بقتل عثمان-رضي الله تعالى عنه-ثم توالت المحن وتتابعت الفتن (مع خير كثير فيهم) إلى الآن وحتى. (مع شر كثير فينا) .
أما إنه لا يذهب الإسلام ولكن يذهب أهل السنة-وجاء في السنة الصحيحة ما يؤيد هذا-حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد [2] .
(1) -وأهم ما كان عند الصحابة قواعد بناء الحضارة من الأخلاق والفضيلة وقبلها العقيدة الصحيحة، و (الحضارة) من صنائع التمكين-كما يقرر ابن خلدون في: (مقدمته) .
(2) -انظر رسالة: (طوبى للغرباء) (ص:10 - وما بعدها) للأستاذ أحمد بن محمد طاحون، و (كشف الكربة) (18) ، و (أحاديث الفتن) (101) للشيخ محمد بن عبد الوهاب.