وإن أصابه شيء من ذلك على غرَّة-أي: فجأة-بادر إلى قلعه وإزالته ومحو أثره، وهكذا الصائن لقلبه ودينه تراه يجتنب طبُوع الذنوب وآثارها، فإن لها في القلب طُبوعًا وآثارًا أعظم من الطُّبوع الفاحشة في الثوب النقيِّ البياض، ولكنَّ على العيون غشاوة أن تدرك تلك الطبوع.
فتراه يهرب من مظانِّ التلوُّث، ويحترس من الخلق، ويتباعد من مخالطتهم مخافة أن يحصل لقلبه ما يحصل للثوب الذي يخالط الدَّبَّاغين والذَّبَّاحين والطَّبَّاخين وغيرهم.
بخلاف صاحب العلوِّ، فإنَّه وإن شابه هذا في تحرُّزه وتجنبه فهو يقصد أن يعلو رقابهم ويجعلهم تحت قدميه، فهذا
لون وذاك لون) [1] .
وهذا إمام العلماء وقدوة السالكين وأسوة المؤمنين وسيد العالمين محمد-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-عبد الله ورسوله ومصطفاه وحبيبه، كان أشد الناس تواضعًا على علو منصبه ورفعة قدره.
قال أمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل البخاري-رحمه الله تعالى-: قال محمد بن عيسى: حدثنا هشيم، أخبرنا حميد الطويل، حدثنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ-رضي الله عنه-قَالَ: (إِنْ كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه-فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ) [2] .
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ-رَضِي اللَّه عَنْه-(أَنهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ-صلى الله عليه وعلى آله
وصحبه-يَفْعَلُهُ) [3] .
وعَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ-رضي الله عنها-: (مَا كَانَ النَّبِيُّ-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه-يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ-تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ-فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ) [4] .
(1) -انظر: (الروح) (ص:317) .
(2) -رواه البخاري في: (صحيحه) كتاب الأدب-تعليقًا، وأحمد موصولًا. وقد خرجته-بتوسع-في كتابي: (حكم مصافحة المرأة الأجنبية) . لا تطوله يدي الآن.
(3) -رواه البخاري في: (صحيحه) كتاب الاستئذان، ومسلم في (صحيحه) كتاب الفضائل، وأبو داود في: (سننه) كتاب الأدب، والترمذي في: (جامعه) كتاب الاستئذان والأدب، وأحمد في: (مسنده) باقي مسند المكثرين. وغيرهم.
(4) -رواه البخاري في: (صحيحه) كتاب الأذان، وأحمد في: (مسنده) باقي مسند المكثرين. بلفظ: (قالت: كما يصنع أحدكم يخصف نعله أو: يرقع ثوبه) .