فهرس الكتاب

الصفحة 1371 من 1592

والمعجَب يغتر بنفسه وبرأيه، ويأمن مكر الله وعذابَه، ويظن أنه عند الله بمكان، وأن له عند الله منةً وحقًا بأعماله التي هي نعمة من نعمه، وعطية من عطاياه، ويخرجه العجب إلى أن يثني على نفسه ويحمدها ويزكيها.

وإن أُعجب برأيه وعمله وعقله مَنَعَ ذلك من الاستفادة، ومن الاستشارة والسؤال، فيستبد بنفسه ورأيه ويستنكف من سؤال من هو أعلم منه، وربما يعجب بالرأي الخطأ الذي خَطَرَ له فيفرح بكونه من خواطره، ولا يفرح بخواطر غيره فيصر عليه، ولا يسمع نصح ناصحٍ، ولا وعظ واعظ، بل: ينظر إلى غيره بعين الاستجهال، ويصرُّ على خطئه، فإن كان رأيه في أمرٍ دنيويّ فيخفق فيه، وإن كان في أمر دينيّ لا سيما [1] فيما يتعلَّق بأصول العقائد فيهلك به.

ومن أعظم آفاته أن يفتُر في السعي، لظنه أنه قد فاز، وأنه قد استغنى، وهو الهلاك الصريح الذي لا شبهة فيه) [2] .

قال ابن القيم-في الفرق بين صيانة النفس عما يشينها، وبين التكبر والعجب، في تفصيل دقيق واضح-: (والفرق بين الصيانة والتكبر: أنَّ الصائن لنفسه بمنزلة رجل قد لبس ثوبًا جديدًا نقيَّ البياض ذا ثمن، فهو يدخل به على الملوك فمن دونهم، فهو يصونه عن الوسخ والغبار والطُّبُوع وأنواع الآثار إبقاءً على بياضه ونقائه، فتراه صاحب تعزُّزٍ وهروبٍ من المواضع التي يخشى منها عليه التلوُّثُّ، فلا يسمح بأثرٍ ولا طبع ولا تلوثٍ يعلو ثوبه.

(1) -قالت أم الفضل حرم وتلميذة المؤلف-عفا الله عنها-: (ولا سيما) قال ثعلب: يلحنون فيه لحنات، يحذفون الواو منه، وحرف النفي، ويحققون تاءه وقد أبدلت العرب (لا) تاءً فقالوا: (تا سيما) كما قالوا: (قام زيد تا بل: عمرو-(همع الهوامع) (3/ 295 - ) ولا يجوز استعماله إلا كما جاء في قوله: (ولا سيما يوم بدارة جلجل) . انظر: (الهمع) (3/ 293) ، والأشموني (1/ 411) وقال السخاوي: يجوز حذف النفي منه قياسًا على قوله تعالى: (تالله تفتؤا) أي: لا تفتؤا.

قال السيوطي: ولا تحذف لا من لا سيما، لأنه لم يسمع إلا في كلام المولدين كقوله: (سيما من حالت الأحراس من دون مناه) . قال الصبان: أما حذف (لا) فقال الدماميني: حكى الراضي أنه يقال: (سيما) بالتثقيل والتخفيف مع حذف (لا) ولم أقف عليه من غير جهته، بل: في كلام الشارح-أي: المرادي- أن سيما بحذف (لا) لم يوجد إلا في كلام من لا يحتج بكلامه. انظر: (الهمع) (3/ 194) ، و (حاشية الصبان) (2/ 168) ، و (النكت) للزركشي (1/ 26) . انتهى من حاشية: (إمداد السقاة بدلو الرواة) (ص:220) .

(2) -انظر: (تهذيب إحياء علوم الدين) (2/ 138) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت