فهرس الكتاب

الصفحة 1370 من 1592

(والكبر بالعلم، هو أعظم الآفات وأغلب الأدواء [1] وأبعدها عن قبول العلاج إلا بشدة شديدة وجهد جهيد، وذلك لأن قدر العلم عظيم عند الله، عظيم عند الناس، وهو أعظم من قدر المال والجمال وغيرهما، بل: لا قدر لهما أصلًا إلاَّ إذا كان معهما علم وعمل، ولذلك قال كعب الأحبار-رحمه الله تعالى-:(إنَّ للعلم طغيانًا كطغيان المال) .

وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (العالم إذا زلَّ زَلَّ بزلته عالَمٌ) .

ولن يقدر العالم على دفع الكبر إلا بمعرفة أمرين:

أحدهما: أن يعلم أن حجة الله على أهل العلم آكدُ، وأنه يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل عُشرُه من العالم، فإن من عصى الله تعالى عن معرفة وعلم فجنايته أفحش، إذ لم يقض حق نعمة الله عليه في العلم.

الأمر الثاني: أن العالم يعرف أنَّ الكبر لا يليق إلا بالله عز وجلَّ وحده، وأنه إذا تكبر صار ممقوتًا عند الله بغيضًا، وقد أحب الله منه أن يتواضع وقال له: إن لك عندي قدرًا ما لم تر لنفسك قدرًا، فإن رأيت لنفسك قدرًا فلا قَدْر لك عندي، فلا بدَّ وأن يكلِّف نفسه ما يحبُّه مولاه منه) [2] .

وأما العجب فإنَّ آفاته كثيرة، قال ابن قدامة-رحمه الله تعالى-: (واعلم أن العجب يدعو إلى الكبر، لأنه أحد أسبابه، فيتولد من العجب الكبر، ومن الكبر الآفات الكثيرة التي لا تخفى.

هذا مع العباد، وأما مع الله تعالى. فالعجب يدعو إلى نسيان الذنوب وإهمالها فبعض ذنوبه لا يذكرها ولا يتفقدها، لظنّه أنَّه مستغْنٍ عن تفقدها فينساها، وما يتذكره منها فيستصغره ولا يستعظمه، فلا يجتهد في تداركه أو: تلافيه، بل: يظن أنه يغفر له.

وأما العبادات والأعمال فإنه يستعظمها ويتبجح بها، ويمن على الله تعالى بفعلها، وينسى نعمة الله عليه بالتوفيق والتمكين منها، ثم إذا أعجب بها عمي عن آفاتها، ومن لم يتفقد آفات الأعمال كان أكثر سعيه ضائعًا، فإنَّ الأعمال الظاهرة إذا لم تكن خالصة نقية من الشوائب قلَّما تنفع، وإنما يتفقد من يغلب عليه الإشفاق والخوف دون العجْب.

(1) -الأدواء: جمع داء. انظر: (مختصر منهاج القاصدين) (ص:90) .

(2) -انظر: (تهذيب إحياء علوم الدين) (2 ص:136) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت