فهرس الكتاب

الصفحة 1369 من 1592

الثانية: أن يُظهر لك بأفعاله من الترفع في المجالس، والتقدم على الأقران، والإنكار على من يقصر في حقه، فترى العالم يُصَعِّر [1] خده للناس، كأنه معرض عنهم، والعابد يعيش كأنه مستقذر لهم، وهذان قد جهلا ما أدَّب الله به نبيه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه-حين قال: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) (سورة الشعراء، رقم الآية:214) .

الدرجة الثالثة: أن يظهر الكبر بلسانه، كالدعاوي والمفاخر، وتزكية النفس، وحكايات الأحوال في معرض المفاخرة لغيره، وكذلك التكبر بالنسب، فالذي له نَسَبٌ شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب وإن كان أرفع منه عملًا.

قال حبر الأمة عبد الله بن عباس-رضي الله عنهما-يقول الرجل للرجل: أنا أكرم منك، وليس أحد أكرم من أحد إلا بالتقوى. قال الله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (سورة الحجرات، رقم الآية:13) .

وكذلك التكبر بالمال، والجمال، والقوة، وكثرة الأتباع، ونحو ذلك، فالكبر بالمال أكثر ما يجري بين الملوك والتجار ونحوهم.

والتكبر بالجمال أكثر ما يجري بين النساء، ويدعوهن إلى التنقص والغيبة وذكر العيوب.

وأما التكبر بالأتباع والأنصار، فيجري بين الملوك بالمكاثرة بكثرة الجنود، وبين العلماء بالمكاثرة بالمستفيدين.

وفي الجملة فكل ما يمكن أن يعتقد كمالًا-وإن لم يكن في نفسه كمالًا-، أمكن أن يتكبر به، حتى إن الفاسق قد يفتخر بكثرة شرب الخمر والفجور، لظنه أن ذلك كمال.

واعلم أن التكبر يظهر في شمائل الإنسان، كصعر [2] وجهه، ونظرِه شزرًا، وإطراقِ رأسه، وجلوسه متربعًا ومتكئًا، وفي أقواله، حتى في صوته ونغمته، وصيغة إيراده الكلام، ويظهر ذلك أيضًا في مشيه وتبختره، وقيامه وقعوده وحركاته وسكناته، وسائر وتقلباته ... ) [3] .

(1) -أي: يميله من الكبر.

(2) -الصَّعر: ميل في وجه، وقيل: الصعر الميل في الخد خاصة، وقد صعَّر خدَّه وصاعره: أماله من الكبر. انظر: (لسان العرب) (ص:233) .

(3) -انظر: (مختصر منهاج القاصدين) (ص:233) ، والنسخة التي عندي داخل السجن بتحقيق: علي حسن (ص:192/ 293) ، و (آفات العلم) (89/ 90) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت