ولا يتصور أن يكون متكبرًا إلاَّ أن يكون مع غيره وهو يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال، فعند ذلك يكون متكبرًا، ولا يكفي أن يستعظم نفسه ليكون متكبرًا، فإنه قد يستعظم نفسه، ولكنه يرى غيره أعظم من نفسه أو: مثل نفسه فلا يتكبر عليه. ثم هذه العزة تقتضي أعمالًا في الظاهر والباطن هي ثمرات، ويسمَّى ذلك تكبرًا.
فهو إن حاجَّ أو: ناظر أنف أن يُردَّ عليه، وإن وُعِظ استنكف من القبول، وإن وَعَظ عنف في النصح، وإن رُدَّ عليه شيء من قوله غضب، وإن عَلَّم لم يرفق بالمتعلمين واستذلهم وانتهرهم وامتنَّ عليهم واستخدمهم، وينظر إلى العامة كأنه ينظر إلى الحمير، استجهالًا لهم واستحقارًا، والأعمال الصادرة عن خُلُق الكبر كثيرة، وهي أكثر من أن تحصى فلا حاجة إلى تعدادها فإنها مشهورة.
فهذا هو الكبر، وآفته عظيمة، وغائلته هائلة، وفيه يهلك الخواص من الخلق، وكيف لا تعظم آفته وقد قال-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- [1] : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) [2] .
قال الحافظ الذهبي في ترجمة فرقد بن يعقوب السبخي، أبو يعقوب البصري-رحمه الله تعالى-:( ... قال قرأت في التوراة: أمهات الخطايا ثلاث أول ذنب عُصي الله به:
1 -الكبر،
2 -والحسد،
3 -والحِرص) [3] .
قال ابن قدامة-رحمه الله-: (واعلم أن العلماء والعباد في آفة الكبر على ثلاث درجات:
الأولى: أن يكون الكبر مستقرًا في قلب الإنسان منهم، فهو يرى نفسه خيرًا من غيره، إلاَّ أنه يجتهد ويتواضع، فهذا في قلبه شجرة الكبر مغروسة، إلا أنه قد قطع أغصانها.
(1) -رواه مسلم في: (صحيحه) من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وأخرجه أبو داود والترمذي، وغيرهم والحديث سبق تخريجه.
(2) -انظر: (إحياء علوم الدين) (2/ 128) ، و (آفات العلم) (ص::85/ 88) .
(3) -انظر: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (3/ 480/رقم:265) ، و (3/ 721/رقم:235) .