فهرس الكتاب

الصفحة 1395 من 1592

قال: فصك في صدره. وقال: أو لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة! إنكم كنتم أذل الناس، وأحقر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام. فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله) [1] .

تأملوا هذه القصة جيدًا وتمسكوا بدينكم في السراء والضراء، واعلموا أن البقاء للأصلح، والدوام لله: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين) (سورة آل عمران، رقم الآية:139) .

وتأملوا قوله تعالى: (إن تكونوا تالمون فإنهم يالمون كما تالمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليمًا حكيمًا) (سورة النساء، رقم الآية:103) .

2 -لما بلغ عمرو بن العاص - رضي الله عنه - بجيشه حاكم مصر"المقوقس"وجيشه، بعث عمرو إليه عشرة رجال أحدهم عبادة ابن الصامت - رضي الله عنه - وكان"عبادة"شديد السواد، وأمره أن يكون متكلم القوم، ولا يجيب الروم إلى شيء دعوه إليه إلا إحدى هذه الخصال الثلاث:

1 -الإسلام،

2 -الجزية،

3 -الحرب،

فلما دخلت رسل المسلمين إلى المقوقس، وعلى رأسهم عبادة، هابه المقوقس لسواده وفرط طوله، وقال: (نحُّوا عني ذلك الأسود، وقدموا غيره يكلمني) ، فقال الوفد جميعًا: (إن هذا الأسود أفضلنا رأيًا وعلمًا، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنما نرجع جميعًا إلى قوله ورأيه، وقد أمَّره الأمير دوننا لما أمره وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله) .

ثم قالوا-وكان قولهم عجيبًا عند المقوقس-: (إن الأسود والأبيض سواء عندنا، لا يفضل أحد أحدًا إلا بفضله، وعقله [2] ،

(1) -انظر: (البداية والنهاية) (7/ 60) .

(2) -قال تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (سورة الحجرات، رقم الآية:13) ، وقد روى ابن عمر: أن رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-خطب الناس يوم فتح مكة فقال: يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها فالناس رجلان بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب قال الله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). (رواه الترمذي وصححه الألباني) .

وعن جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما-قال: خطبنا رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في أوسط أيام التشريق خطبة الوادع فقال: يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) .. (رواه البيهقي، وقال الألباني في:(صحيح الترغيب) : صحيح لغيره).

قال المحدث الألباني-رحمه الله تعالى-كما في: (تراجع العلامة الألباني فيما نص عليه تصحيحًا وتضعيفًا) (1/ 127/رقم:77) جمع وإعداد: أبو الحسن محمد حسن الشيخ، و (شرح العقيدة الطحاوية) (ص:361) الطبعة التاسعة: (صحيح لكن عزوه للسنن وهم فإنه لم يروه أحد منهم وإنما هو في:(مسند) الإمام أحمد وقد كنت توقفت فيه قبل سنين ثم يسر الله تعالى لي جمع كثير من طرقه وحققت الكلام عليه فتبين لي أنه صحيح بمجموعها وأودعت تفصيل ذلك في الموضع المشار إليه.

وعليه استجزت إيراده في كتابي: (صحيح الجامع الصغير وزياداته) (رقم:1780) ... ).

رواه أحمد في: (مسنده) (5/ 411) ، أو: (12/ 226/رقم:23489 - مع الفتح الرباني) ، وصحح إسناده محققو (مسند الإمام أحمد) (38/ 474/475) من مطبوعات: مؤسسة الرسالة، وقال الهيثمي في: (المجمع) (3/ 266) : (رجاله رجال الصحيح) ، وأبو نعيم في: (الحلية) (3/ 100) ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في: (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) (1/ 368) ، أو: (1/ 412) تحقيق: الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل، من مطبوعات: دار اشبيليا للنشر والتوزيع، و (التعليق القويم على كتاب:"اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم") (2/ 797) للشيخ صالح بن صالح الفوزان، من منشورات: الرسالة العالمية، و (فتح المعين في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم) (ص:225) لشيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين، من مطبوعات: دار هداية للنشر والتوزيع: (وروي هذا الحديث عن أبي نضرة عن جابر) .

يعني: قد رواه البيهقي في: (الشعب) (4/ 289) ، من حديث أبي نضرة عن جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما-لكن قال بعده البيهقي: وفي هذا الإسناد بعض من يجهل).

ففي دولة الإسلام يتخاصم ذمي يهودي-وأمير المؤمنين قاضي المسلمين-ويقتص الخليفة لقبطي نصراني من ابن واليه، لكن لا يذهب بك هذا إلى مساواة الكافر والمسلم في الحقوق والواجبات، كما يتبجح بذلك الديمقراطيون، فلا يدَّعي بشر أن العاقل كالمجنون، والكافر أعمى بصيرة وأشد ذهابًا للعقل من المجنون قال تعالى: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو: يعقلون إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلًا) (سورة الفرقان، رقم الآية:44) .

وما أكثر ما دخل من الفساد على الخلافة من هذا النوع، بل: إن أول قانون وضعي أدخله العثمانيون-أو: بعبارة أدق أجبر الإنجليز على إدخال بعد اتفاقيات سنة: (1840 م) مع محمد علي باشا-هو مساواة كافة رعايا الدولة العثمانية من المسلمين واليهود والنصارى حتى وُلِّبي الولاة من النصارى تتحكم في رقاب وفروج المسلمين، ولا يذهب بك هذا كذلك إلى مساواة الرجل والمرأة على منطق الديمقراطية، فلكل مكانته ودوره الذي تختل موازين الحياة بتجاوزه وتعديه أو: جعلهما دورًا ومكانةً واحدة، قال تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليمًا) (سورة النساء، رقم الآية:32) ، وقال تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) (سورة النساء، رقم الآية:34) .

ولا يخفى على الجميع الضرر العظيم لهذه المساواة على من تبناها من المجتمعات التي بدأت تتسرب إلى مجتمعاتنا العربية والإسلامية، حسبنا الله ونعم الوكيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت