فهرس الكتاب

الصفحة 1397 من 1592

(يا هذا لا يغرن نفسك ولا أصحابك ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم، وأنا لا نقوى عليهم، فلعمري ما كان هذا بالذي تخوفنا به، ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه ... إن قُتلنا عن آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته، وما من شيء أقرَّ لأعيننا ولا أحب إلينا من ذلك.

وإن الله عز وجل قال في كتابه: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [1] .

قال بعض أهل العلم بالتفسير في معنى الآية: فلما خرج طالوت بجنوده لقتال العمالقة قال لهم: إن الله ممتحنكم على الصبر بنهر أمامكم تعبرونه، ليتميَّز المؤمن من المنافق، فمن شرب منكم من ماء النهر فليس مني، ولا يصلح للجهاد معي [2] ، ومن لم يذق الماء فإنه مني، لأنه مطيع لأمري وصالح للجهاد، إلا مَن ترخَّص واغترف غُرْفة واحدة بيده فلا لوم

(1) -سورة البقرة، الآية رقم: (247) .

(2) -وأنتم أيها الصالحون ابتلاكم الله بحكام العرب وسجنهم لتستسلموا وتذعنوا لهم، إياكم ثم إياكم أن تطلبوا منهم العفو والحالة هذه وقد ظلموكم، وسجنوكم لإرضاء الصليبيين، لا تستسلموا لهم-إذا كان حكام العرب قد استسلموا لليهود والنصارى وهم أذل وأحقر وأجبن أمة في العالم، فهم يخافون منكم .... -كونوا جبالًا نُفخ فيها الروح في وجوه الظلمة أيًا كانوا، فقد نصحتك أخي المسجون فانظر لنفسك المسكينة، فاختر ما يحلو لها، أما أنا فوالله وتالله لن أستسلم لهم حتى ولو فصلوا عنقي عن جسدي، وإذا طلبت منهم العفو وأنا المظلوم فلا عفا الله عني فوالله لأن أحفر قبري داخل زنزانتي الانفرادية أشرف لي من الاستسلام لهم، وطلب العفو منهم، وقد ظلموني وعذبوني حتى فقدت نور بصير العين اليسرى.

لم الخوف إذًا منهم وهم يخافون ممن يخاف منكم؟ ماذا يستطيعون أن يفعلوا لكم أكثر مما فعلوه؟ التعذيب أخذنا منه النصيب الأوفر، السجن حكموا علينا بتعليمات أسيادهم اليهود والنصارى بثلاثين سنة؟ أما القتل فهم أجبن وأحقر من أن يكرموكم بالشهادة، أنا والله لا أخاف من الظلمة والخونة، وأدعو للطالبان والقاعدة بالنصر على الصليبيين واليهود وأحفادهم، وأن يمكن لهم في الأرض، ولا تنسوا ما رأينا بسجن سلا:

ظُلْمًا مَرِيرًا قَدْ رَأَيْنَا فِي سَلا * شَرْعٌ جَدِيدٌ فِي صَلِيبٍ قَدْ جَلاَ

أَمْرُ الصَّلِيبِيْ فِي سُجُونٍ أُرْسِلاَ * إِسْكَاتُ صَوْتِ الْحَقِّ فِيهَا عُطِّلاَ

بِالْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ فِيهَا أُقْفلاَ * عِزٌّ لَنَا فِي دِينِنا لنْ يُهْملاَ

يَا قَادَةَ الأَصْنَامِ وَالصُّلْبَانِ لاَ * نَحْنِي جِبَاهًا لِلصَّلِيبِ الْمُهْمَلاَ

نَصْرًا قَرِيبًا يَا شَبَابًا مُقْبِلاَ * وَعْدًا جَلِيلًا فِي كِتَابٍ هَلَّلاَ

سِيرُوا عَلَى دَرْبِ الْهُدَى لاَ تَغْفَلاَ * لاَ يَنْقَضي كَيْدُ الْعِدَا يَا مَنْ عَلاَ

قَدْ أَصْبَحَ الْحَقُّ ضَعِيفًا فَاعْقِلاَ * مَجْدًا عَزِيزًا بَارِزًا مُؤَثَّلاَ

نُصْحًا أَرَدتُّ يَا أَخي إِنْ تَقْبَلاَ * يا رَبَّنا عَجِّلْ بِنَصْرٍ شَامِلاَ

وتأملوا أيضًا ما كنت قلته بالسجن المركزي بالقنيطرة في قصيدة طويلة تحت عنوان: (صَيْحةُ نَذِيرٍ مِنْ وَرَاءِ القُضْبَان) ، وهذه بعض أبياتها:

كُنْ يَا أَخِي صَلْدًا حَدِيدًا فِي عُلاَ * كُنْ مُسْلِمًا نَبْلًا وَقَورًا مُقْبِلاَ

سَمْحًا كَرِيمًا فَاضِلًا لاَ مُهْمِلاَ * رَأْيًا جَدِيدًا صَالِحًا قَدْ جَمَّلاَ

إِنْ تَصْبِرُوا فَاليسْرُ آتٍ مُرسَلاَ * أَوْ: تَسْخَطُوا فَالسُّخْطُ ذُلٌّ بَاطِلاَ

دِينِي وَرَبي دَائِمًا لَنْ يَقْبَلاَ * ذُلاًّ وَشَكوَى مِنْ بَلاَءٍ حَاصِلاَ

وقولي في قصيدة تحت عنوان: (اليأس عنوان الشقاء) بعد قولي:

أيها الأخ المبتلى لا تيأس من رحمة الله لضر وبلاء نزل بك، لأن اليأس عنوان الشقاء، أما البلاء فهو طريق الأنبياء، ولا منحة بغير محنة، وقد كنت قلت-وأنا بالسجن المركزي بالقنيطرة هذه الأبيات الركيكة-فدونكها:

لاَ تيأَسُوا فالحَقُّ سَيْلٌ دافقُ * لاَ تَيْأَسُوا فَالنَّصْرُ وَعْدٌ صَادِقُ

لاَ تَيْأَسُوا فَالسِّلم نُورٌ مُنْجِدُ * لاَ تَفْعَلُوا فَاليَأْسُ كُفْرٌ مَاحِقُ

لاَ تَيْأَسُوا فَالسِّجْن في أَرجائِهِ * تمحيصُ إخْلاص، وأمْرٌ فَارِقُ

فَلْتَطْمَئنُّوا إخوتي ولتأْمَنُوا * مِن كيْدِهِمْ لا تَجْزَعُوا لاَ تَفْرَقوا

أَنْتُم شباب المُصطفى إن تَصْبِرُوا ... * ... تُجْزَوا جزاءً وافرًا إن تتقوا

إنْ تنْصُروا الله الذي زان البشرْ * يُنْعِمْ عليكم منه نصرًا ينطقُ

إن تنْصُروا فالحقُّ نصرًا أوْجَبَ * أو: تَجْبنُوا فالحُكْمُ ذُلٌّ مُلصَقُ

لا تعجلوا فالحور يُدفعُ مهرها ** من ماء ما فاض الوريد ويَدفقُ.

حُورٌ جَمِيلاَتٌ بقَصْرٍ بَاهِرِ * إن كنتَ مِمّن يأْملوا أو: يَعْشِقُوا

صبرًا فكل الصيد فِي جوفِ الفَرَا * لا يشغلنّ لبيبَكم من ينعقُ

إنْ كنتم في غَمِّ البلاء الزَّائِلِ ... * فلْتَذْكُرُوا نَعْمَاءَ رِبِّ يَرْفُقُ

فلتذكُرُوا روْضَاتِ جَنّاتٍ فَمِنْ * فَضْلِ الإله الحقِّ أيضًا تُرزَقُوا

مَا أَقْدَسَهْ ذا الحُزْنَ يَتْلُوهُ الفَرَحْ * والإبتِلاَ بِالسالكِ قَدْ يُحْدِقُ

لاَ تَبْتَئِسْ بِالسِّجنِ يَا مَنْ يسْجُدُ * لله، شَأْنُ اللَّهِ فيكَ الأَوْثَقُ

لاَ تَسْلُكُوا نَهْجَ الرَّدَى في سِجْنِكُمْ * إن تَطْلُبُوا الإِفْراجَ فارْجُوا واصْدُقُوا

تَالله إن السِّجْن خَيْرٌ مِن لَظَى * مَعْصِيَّةٍ يُبْغِضْ ذَويها الخالقُ

تَالله إن السِّجْن خَيْرٌ مِن لَظَى * عصيان مَنْ بغضوا الإله وألْيقُ

ثمَّ اعلموا أن الهُدى لاَ يُثْبِتُهْ * إلا البَلاَءُ الكَاشِفُ وَالفارقُ

ثُمَّ انظُرُوا للرُّسْلِ في الحقِّ ابتُلُوا * هُمْ أُسْوَةٌ إن يَسْكُتُوا أو: ينطِقُوا

ثُمَّ السَّلَفْ قَدْ كَابَدُوا سَوْطَ البَلاَ * قَبْلَ العُلاَ ذَا المُقْتَضَى والمنطِقُ

ثُمَّ الثَّوَابُ الأَعْظَمُ لاَ يَحْصُلَنْ * إلا بذلكْ، والجزاء الأَوْفَقُ

ثُمَّ الإلَهُ الأَكْرَمُ دَومًا يُحِبْ * للعبْدِ من أهل التُّقَى ذا مُطْلَقُ

إن تَسْمَحُوا فَالخَتْمُ حتمًا قَدْ حَصَلْ * أَوْ تَرْفُضُوا فالْعَوْدُ فيه الرونقُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت