فهرس الكتاب

الصفحة 1402 من 1592

"أردشير"لم يَدَعُوا أحدًا يخرج من عمله من السِّفلة كانوا يقولون: (إذا خرجوا من أعمالهم تعدوا طورهم، وعادوا أشرافهم) .

فقال له زهرة-رضي الله عنه-: (نحن خير الناس للناس، فلا نستطيع أن نكون كما تقولون، نطيع الله في السِّفلة، ولا يضرنا من عصى الله فينا) ، فانصرف عنه وطلب"رستم"آخر، ثم إن سعدًا-رضي الله عنه-أرسل: (ربعي بن عامر) -رضي الله عنه-إلى رستم، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق، والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة، وترس وفرس قصيرة.

ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه، فقالوا له:"ضع سلاحك"، فقال:"إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت"، فقال رستم:

"ائذنوا له"، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق، فخرق عامتها، فقالوا له:"ما جاء بكم؟"فقال: (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله [1] ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام،

(1) -وهذا فهم دقيق وعبارة عظيمة من ربعي بن عامر-رضي الله عنه-فمن لم يعبد الله كان لا محالة عابدًا لغيره سبحانه من خلقه، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في: (مجموع الفتاوى) (14/ 282) : (من لم يعبد الله وحده فلا بد أن يكون عابدًا لغيره، يعبد غيره فيكون مشركًا، فليس في بني آدم قسم ثالث، بل: إما موحدٌ وإما مشرك، أو: من خلط هذا بهذا كالمبدلين من أهل الملل، النصارى ومن أشبههم من الضلال المنتسبين إلى الإسلام) .

وقال أيضًا-رحمه الله تعالى-في: (مجموع الفتاوى) (14/ 285) : ( ... فكل من لم يعبد الله مخلصًا له الدين فلا بد أن يكون مشركًا عابدًا لغير الله وهو في الحقيقة عابد للشيطان) .

ولا يذهب بك الفهم إلى أن تظن أن العبادة لغير الله محصورة في الركوع والسجود للخلق بشرًا كان أو: جمادًا، وإنما هو مظهر من مظاهرها والإنسان ضعيف مفتقر إلى غيره بطبعه، فمن لم يَشْكُو حاجته إلى الله ويضع فقره ببابه شكاها لا محالة إلى غيره سبحانه وترجى من الخلق سدد فقره فهو عابد لغير الله، لقوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: (الدعاء هو العبادة) ، ومن لم يخف من الله خاف من كل شيء، ومن لم يستغث بالله استغاث بغيره وهكذا.

وكل هذه المعبودات من دون الله لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن أن تملكه لغيرها، قال تعالى: (أيشركون ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرًا ولا أنفسهم ينصرون) (سورة الأعراف، رقم الآيتين:191/ 192)

وقد أودع الله في الإنسان حاجات لا بد له من سدادها ورغبات لا مفر له من تلبيتها، وذلك كحاجته إلى الطعام والشراب والنكاح، والناس في ذلك على ثلاثة أصناف:

1 -فوالغٌ فيه دون قيود ومتبع نفسه هواها، فهو عابد لهواه، قال تعالى: (أرايت من اتخذ إلهه هواه) (سورة الفرقان، رقم الآية:43) .

2 -أو: مقنن ذلك بقوانين أو: عادات و تقاليد، يحل لنفسه أشياء ويحرم أخرى بما لم ينزل به الله سلطانًا، فهو عابد لمن أحل له وحرم سواء كان قانونا أو: زعيمًا سياسيًا أو: قبليًا أو: برلمانًا أو: غيره، قال تعالى: (قل أرايتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالًا قل آالله أذن لكم أم على الله تفترون) (سورة يونس، رقم الآية:59) ..

3 -أو: متبع أمر الله في ذلك ومجتنب نهيه، فهو عابد لله، قال تعالى: (أفغير الله أبتغي حكمًا وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلًا) (سورة الأنعام، رقم الآية:115) ، وقال تعالى: (وما لكم ألا تاكلوا مما ذكر اسم الله عليه و قد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرًا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين) (سورة الأنعام، رقم الآية:120) .

وكذلك فإن الإنسان اجتماعي بطبعه وبالتالي كان محتاجًا إلى تنظيم تجمعاته، وفي: (مقدمة ابن خلدون) من الدلائل العقلية والواقعية على ذلك الكثير، فإما أن يتبع شرع الله وأحكامه في ذلك فيكون عابدا لله، قال تعالى: (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه) (سورة يوسف، رقم الآية:40) ، وقال تعالى: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) (سورة النساء، رقم الآية:104) ، وإما أن يشرع من قبل نفسه فيكون طاغوتًا منازعًا لله في حقه في التشريع، أو: يتبع من وضع الأحكام المخالفة لشرع الله من الطواغيت فيكون عابدًا لهم، قال تعالى: (أم لهم شركاؤا شرعوا لهم من الدين ما لم ياذن به الله) (سورة الشورى، رقم الآية:19) . وكذا في سائر الأمور، فمن لم يكن عابدًا لله كان عابدًا لغيره، وبالله التوفيق).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت