كثير من المتكلمين قالوا-وما أصابوا-: لا يجوز التقليد في التوحيد-وقالوا: قد كفر ابن عرفة المقلد في التوحيد في قول من أقواله الثلاثة، وقد قال الشوكاني-رحمه الله-في التقليد: (هو العمل بقول الغير من غير حجة) [1] .
وقال أيضًا-بعد أن ذكر بعض أقوال العلماء فيه-: (وبهذا تعلم أن المنع من التقليد إذا لم يكن إجماعًا فهو مذهب الجمهور) [2] .
وقال في أول كتابه: (السيل الجرار) : (إن قوله:"الفرعية"يخرج الأصلية أي: مسائل أصول الدين وأصول الفقه، وإلى هذا ذهب الجمهور لا سيما في أصول الدين، فقد حكى الأستاذ أبو إسحاق في:(شرح الترتيب) : أن المنع من التقليد فيها هو إجماع أهل العلم من أهل الحق وغيرهم من الطوائف. قال أبو الحسن بن القطان: (لا نعلم خلافًا في امتناع التقليد في التوحيد) . وحكاه ابن السمعاني عن جميع المتكلمين وطائفة من الفقهاء.
وقال إمام الحرمين في: (الشامل) : (لم يقل بالتقليد في الأصول إلا الحنابلة) .
وقال الاسفراييني لم يخالف فيه إلا أهل الظاهر، ولم يحك ابن الحاجب الخلاف في ذلك إلا عن العنبري، وحكاه في: (المحصول) عن كثير من الفقهاء، واستدل الجمهور على منع التقليد في ذلك بأن الأمة أجمعت على وجوب معرفة الله سبحانه وأنها لا تحصل بالتقليد، لأن المقلد ليس معه إلا الأخذ بقول من يقلده، ولا يدري أهو صواب أم خطأ) [3] .
وقال العلامة القرطبي-رحمه الله تعالى-في تفسيره لسورة الأعراف عند آية الميثاق [4] في: (الجامع لأحكام القرآن) (7/ 319) : (ولا عذر للمقلد في التوحيد) .
(1) -انظر: (إرشاد الفحول) (1/ 44) .
(2) -انظر: (إرشاد الفحول) (4/ 41) ، والشيخ مقبل يرى أن: (التقليد أصل من أصول التكفير!!) ، ولهذا حرم التقليد مطلقًا حتى على العوام وهذا فيه نظر، ليس هذا محل تفصيل الكلام على ذلك. انظر: (تحفة المجيب على أسئلة الحاضر والغريب) (ص:205) لمقبل
(3) -انظر: (السيل الجرار) الطبعة الكاملة في مجلد واحد (ص:12) .
(4) -تنبيه: معلوم أن وصف الشرك يثبت قبل قيام الحجة الرسالية، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في: (المجموع) (20/ 38) : (اسم الشرك يثبت قبل الرسالة، لأنه يشرك بربه ويعدل به) .
وزعم ابن سمحان: (ليس المراد بقيام الحجة أن يفهما الإنسان فهمًا جليًا كما يفهمها من هداه الله ووفقه وانقاد لأمره) ، كما زعم أن: (كل من بلغه القرآن فليس بمعذور فإن الأصول الكبار التي هي أصل دين الإسلام قد بينها الله في كتابه ووضحها وأقام بها حجته على عباده) .
قال ابن القيم-رحمه الله-في: (طريق الهجرتين) (ص:414) -عن"طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم وحميرهم الذين هم تبع لهم": (وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار وإن كانوا جهالًا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم) إلى أن قال: (والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرًا معاندًا فهو كافر جاهل) .
وقال ابن تيمية-رحمه الله تعال-في: (المجموع) (1/ 351) : (وأعظم من ذلك أن يقول اغفر لي وتب علي كما يفعله طائفة من الجهال المشركين) .
وقال أيضًا في: (المجموع) (10/ 592) ، و (11/ 345) : (وأتباع الهوى درجات: فمنهم المشركون والذين يعبدون من دون الله ما يستحسنون بلا علم ولا برهان ... فإن باب جحود الحق ومعاندته غير باب جهله والعمى عنه والكفار فيهم هذا وفيهم هذا) .