هذا، وقد أعجبت بصرخة جار الله الزمخشري المعتزلي، التي يقول فيها بصوت جهوري ندي يصف واقعه وواقع الناس اليوم مع تتبع رخص المذاهب:
إذا سألوا عن مذهبي لم أبُحْ به * وأكتُمُه، كِتْمانُه لي أسلمُ
فإنْ حنفيًا قلت، قالوا بأنني * أُبيح الطِّلا وهُوَ الشراب المحرَّمُ
وإن مالكيًا قلت، قالوا بأنني * أُبيحُ لهمْ أكلَ الكلاب وهُمْ هُمُ
وإن شافعيًا قلت، قالوا بأنني * أبيح نكاح البنت والبنتُ تحرُم
وإن حنبليًا قلت، قالوا بأنني * ثقيلٌ حلوليٌّ بَغِيضٌ مُجَسّمُ
وإن قلت من أهل الحديث وحزبه * يقولون: تَيْسٌ ليس يدري ويَفْهَمُ
تعجَّبت من هذا الزمان وأهله * فما أحد من ألْسُنِ الناس يَسلم
وأخرني دهري وقدَّم معشرًا * على أنهم لا يعلمون وأعلم [1]
(1) -وينظر إلى هذه الأبيات ما قاله محمد بن أحمد بن سعيد أبو البركات يهجو الوجيه"أبو بكر"النحوي لما انتقل من مذهب أبي حنيفة إلى مذهب الشافعي، وقد كان قبل ذلك حنبليًا-يتبع الرخص-:
ومن مبلغٌ عني الوجيه رسالةً ** وإن كان لا تجدي إليه الرسائلُ
تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل ** وذلك لما أعوزتك المآكل
وما اخترت رأي الشافعي تدينًا ** ولكنما تهوى الذي هو حاصلُ
وعما قليل أنت لا شك صائرُ ** إلى مالكٍ فافطن لما أنا قائلُ
وقوله: (ولكنما تهوى الذي هو حاصلُ) : يقصد أنه يبيح إتيان المرأة في دبرها، ولا يصح عنه هذا وإن اشتهر، وكذا زعمهم: أن الشافعي أباح للرجل أن يتزوج ابنته إن كانت في حرام، بدعوى أنه قال: (مني الحرام لا يُحترم) !.
وقوله:
وعما قليل أنت لا شك صائرُ ** إلى مالكٍ فافطن لما أنا قائلُ
أي: كأنه يعرض بكون المالكية أباحوا أكل الكلاب، فإن صرت مالكيًا ستأكل الكلاب لا محالة!! ولهذا قال له: (فافطن لما أنا قائلُ) !.
انظر: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (12/ 1181/رقم:533) .