فهرس الكتاب

الصفحة 1552 من 1592

لذلك فالراجح من أقوال أهل العلم: أن الزنديق إذا عُرف كفره يُقتل ولا يستتاب، لأن الاستتابة تكون من شيء، وهذا لا يعترف بشيء، رغم قيام البينة [1] على كفره.

روى أبو إدريس قال: أُتي علي - رضي الله عنه - بناس من الزنادقة ارتدوا عن الإسلام، فسألهم فجحدوا فقامت عليهم البينة ... ، قال: فقتلهم ولم يستتبهم، قال: وأُتي برجل كان نصرانيًا وأسلم، ثم رجع عن الإسلام، قال: فسأله فأقرَّ بما كان منه، فاستتابه، فتركه، فقيل له: كيف تستتيب هذا ولم تستتب أولئك؟ قال: إن هذا أقرَّ بما كان منه، وإن أولئك لم يقروا وجحدوا حتى قامت عليهم البينة [2] ، قال ابن تيمية: ويدل على جواز قتل الزنديق المنافق من غير استتابة [3] ، ما أخرجاه في (الصحيحين) عن علي في قصة حاطب بن أبي بلتعة.

(1) -وقد قال شيخ شيوخنا أحمد الغماري في رسالة لبعض تلامذته، كما في: (در الغمام الرقيق برسائل الشيخ أحمد بن الصديق) (ص:22/ 23/رقم:12،) تحت عنوان: (الحكم بالقرائن والقافة) : (وأما حكم النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-بالقرائن بمعنى أنه بنى حكمه عليها فهذا لا أذكره، بل: أجزم بأنه غير واقع وإن كان أثبته بالقافة والشبه في مسألة الملاعنة، وقال:"لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن"-رواه البخاري في:(صحيحه) (10/ 66) ، وأبو داود في: (سننه) (رقم:2254/ 2256) ، والترمذي في: (جامعه) (رقم:2973) وغيرهم من حديث ابن عباس-رضي الله عنهما-في قصة ملاعنة هلال بن أمية زوجته-، بناءً على أنها ولدته شبيهًا بمن اتهمت به.

وأما الدليل على اعتبار الأمارات والقرائن في الأحكام فكثيرة جدًا، وقد قال النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: (البينة على المدعي) -رواه الترمذي في: (جامعه) (رقم:1215) ، كتاب الأحكام، والبيهقي في: (السنن الكبرى) (10/ 252/256) ، والدارقطني في: (سننه) (4/ 218) ، وهو حسن بشواهده، انظر تخريجه وشواهده وطرقه في:"جامع العلوم والحكم"-.

والبينة: ليست هي الشهود وحدهم، أو: اثني عشر رجلًا كما يفهمه المالكية والمغاربة على الخصوص بناءً على ذلك الأصل الفاسد، وإنما البينة ما يتبين به الحق، والقرائن قد تكون في بعض الأحيان أقوى من غيرها في إظهار الحق وإثباته.

وقد حكى النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-عن سليمان-عليه الصلاة والسلام-في المرأتين اللتين اختصمتا إليه في ولد، فقال: (ادعو لي بسكين أقسمه نصفين بينكما) ، فرضيت إحداهما، وقال الأخرى: بل: هو ولدها، وأنا أسلم فيه لها، فسلمه إليها-رواه البخاري في مواضع من: (صحيحه) (7/ 275/276) ، كتاب الأنبياء، ورواه أيضًا في آخر الفرائض: (15/ 58) ، ومسلم في: (صحيحه) (12/ 17/18) ، في الأقضية، باب: اختلاف المجتهدين-وعرف أنها أمه، لأن الشفقة عليه حملتها على بقائه حيًا ولو عند عدوتها، وهذا يحكيه النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ويقر سيدنا سليمان عليه ليبين أنه من طرق إظهار الحق ومعرفته والحكم به ... ).

(2) -ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في: (الصارم المسلول) (ص:360) .

(3) -ومسألة قتل الزنديق والمرتد-وغيرها من أنواع الحدود-من خصائص الحاكم، أو: من ينوب عنه، هذا الذي أدين الله به، ولا أخاف من أحد. ولو كنت أعتقد غيره لقلته بصراحة، والناس يخافون من السجن، والسجن أنا فيه، والحمد لله رب العالمين، ولعنة الله على الظالمين. تأمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت