فهرس الكتاب

الصفحة 1577 من 1592

وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص، ويقين تام، لم يكن في هذه الحال مصرًا على ذنب أصلًا، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذًا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله، ولا كراهية لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم على النار، وإن كانت له ذنوب قبل، فإن هذا الإيمان، وهذه التوبة، وهذا الإخلاص، وهذه المحبة، وهذا اليقين، لا تترك له ذنبًا إلا يمحى، كما يمحى الليل بالنهار) [1] . انتهى كلامه-رحمه الله-.

والحاصل [2] : أن من قال هذه الكلمة عارفًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها ظاهرًا وباطنًا من نفي الشرك، وإثبات العبادة لله، مع الاعتقاد الجازم لما تضمنته والعمل به، فهو مسلم حقًا، ومن قالها وعمل بها بمقتضاها ظاهرًا من غير اعتقاد لما دلت عليه فهو منافق، ومن قالها بلسانه وعمل بخلافها من الشرك المنافي لها، فهو الكافر ولو قالها آلاف المرات، لأن عمله يبطل نطقه بها، فلا بد من النطق بهذه الكلمة مع معرفة معناها-ولو إجمالًا-لأن ذلك وسيلة للعمل بمقتضاها، قال تعالى: (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون) [3] ، والعمل بمقتضاها، هو ترك عبادة ما سوى الله، وعبادة الله وحده هو الغاية من هذه الكلمة، وما نسمعه من أن من قال لا إله إلا الله تنجيه من النار ولو فعل ما فعل فهو ضلال وإضلال من الصوفية، والمرجئة للعوام.

وأظن أن في هذا القدر الذي نقلته من كلام أهل العلم كفاية في رد هذه الشبهة التي تعلق بها من ظن أن من قال: لا إله إلا الله لا يكفر، ولو فعل ما فعل من أنواع الشرك الأكبر، التي تمارس اليوم عند الأضرحة وقبور الصالحين-إن كانوا صالحين فكم من قبر يزار وصاحبه من أهل النار وكم من جثة حمار وكلبة تزار كما في قبيلة تمسمان -مما يناقض كلمة لا إله إلا الله تمام المناقضة ويضادها تمام المضادة.

وهذه طريقة أهل الزيغ الذين يأخذون من النصوص المجملة، ويتركون ما تبينه وتوضحه النصوص المفصلة، كحال الذين يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض، وحين تقول له يا أخي لا تستغث بغير الله، أجابك بجهله الإيمان في القلب، وهذا هو الإرجاء بعينه ولحمه وشحمه، وأين الكفر عندك أيها المغفل؟ تأمل.

(1) -انظر: (تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد) (ص:66/ 67) للشيخ سليمان بن عبد الله.

(2) -التحصيل: هو جمع كلام سابق في عبارة مختصرة.

(3) -سورة الزخرف، رقم الآية: (86) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت