اليومية، وفي روابطهم الشخصية، ومعاملاتهم لبعضهم البعض، فردية كانت هذه المعاملات أم جماعية، كبيان نظم البيع والشراء، والإيجار في العقارات والمنافع، وغير ذلك من ضرورات المعاملات، وهذا الاختلاف بشتى صوره إنما يقتضيه ما لله تعالى من الحكمة البالغة، والحجة الدامغة في اختلاف صور العبادات والشرائع باختلاف استعداد الأقوام ومقتضيات الزمان والمكان [1] .
والرسل كلهم كان دينهم الإسلام [2] ، قال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) (سورة آل عمران، رقم الآية:19) .
وقال: (ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (سورة آل عمران، رقم الآية:84) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في: (مجموع الفتاوي) (24/ 235) : (التوحيد أصل الإيمان وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار وهو ثمن الجنة ولا يصح إسلامُ أحدٍ إلا به) .
وقال أيضًا-رحمه الله-في: (مجموع الفتاوي) (10/ 355) : (والدين القائم بالقلب من الإيمان علمًا وحالًا هو الأصل، والأعمال الظاهرة هي الفروع، وهي كمال الإيمان [3] ، فالدين أول ما يبنى من أصول ويكمل بفروعه كما أَنزل الله بمكة أصولَه من التوحيد والأمثال التي هي المقاييس العقلية والقصص والوعد والوعيد، ثم أنزل بالمدينة-لما صار له قوةً-فروعَه الظاهرةَ من الجمعة والجماعة .. . فأصوله تمد فروعَه وتثبتها، وفروعُه [4] تكمل أصولَه وتحفظها) .
(1) -كما في: (حجة الله البالغة) (1/ 86) للإمام ولي الله الدهلوي، و (إقامة الدليل على ضعف أدلة تكفير التأويل) (ص:40) للإمام الصنعاني.
(2) -وقد كتب الحافظ ابن رجب في هذا رسالة بعنوان: (دين الرسل-كلهم-الإسلام) .
(3) -لا يفهم من هذا الكلام ما يذهب إليه المرجئة-من حصر الإيمان في القول وأعمال القلوب دون أعمال الجوارح-، بل: كلام شيخ ابن تيمية-رحمه الله تعالى-فيه إجمال فسره في مواضع أخرى من كتبه. فتأمل.
(4) -ويعجبني بهذه المناسبة كلام قيم في الموضوع لشيخ شيوخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتابه: (التوضيح والبيان لشجرة الإيمان) (ص:93) :(أن هذه الشجرة المباركة-شجرة الإيمان-: أبرك الأشجار، وأنفعها وأدومها:
1 -وأن عروقها، وأصولها، وقواعدها: الإيمان، وعلومه، ومعارفها.
2 -وساقها، وأفنانها: شرائع الإسلام، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، المؤيدة والمقرونة بالإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
3 -وأن ثمارها، وجناها الدائم المستمر: السمت الحسن، والهدي الصالح، والخلق الحسن، واللهج بذكر الله، وشكره، والثناء عليه والنفع لعباد الله بحسب القدرة، نفع العلم والنصح، ونفع الجاه والبدن، ونفع المال، وجميع طرق النفع.
4 -وحقيقة ذلك كله: القيام بحقوق الله، وحقوق خلقه.
وأن هذه الشجرة في قلوب المؤمنين متفاوتة تفاوتًا عظيمًا بحسب ما قام بهم، واتصفوا به من هذه الصفات، وأن منازلهم في الآخرة تابعة لهذا كله) .