الحديث [1] وأصوله من جهة، وتحريًا وإحاطة بالغة بطرق الحديث وأسانيدها من جهة أخرى، وهذا أمر لا يستطيعه ولا يحسنه جماهير المشتغلين اليوم بتخريج الأحاديث.
ومن لم يسعه هذا فليراجع (حديث:899 في:(سلسلة الأحاديث الصحيحة) المجلد الثالث)، و (4/د/525/رقم:1901) ليتبين له أهمية تتبع طرق الحديث والشواهد، وأن مجرد مجيء الحديث بإسناد ضعيف لا يستلزم أن الحديث في نفسه ضعيف غير محفوظ).
وتعجبني بهذه المناسبة كلمة رائعة وقفت عليها في: (سير أعلام النبلاء) (9/ 188) للحافظ الذهبي-وعنه الشيخ الألباني في: (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (6/القسم الأول/40/رقم:2509) هذا نصها: ( ... قال يحيى بن سعيد(هو القطان الإمام) : لا تنظروا إلى الحديث، ولكن انظروا إلى الإسناد، فإن صح الإسناد، وإلا فلا تغتروا بالحديث إذا لم يصح الإسناد).
وقال أيضًا في: (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة) (2/ 139/رقم:698) من مطبوعات: مكتبة المعارف بالرياض: ("فائدة هامة": قال ابن الجوزي عقب الحديث:"قلت: كنت قد سمعت هذا الحديث في زمن الصبا [2] فاستعملته نحوًا من ثلاثين سنة لحسن ظني بالرواة، فلما علمت أنه"
(1) -قال عز الدين بن جماعة: (علم الحديث: علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن، وموضوعه: السند والمتن، وغايته: معرفة الصحيح من غيره) ، والنووي بيَّن أن المراد من علم الحديث هو: (تحقيق معاني المتون، وتحقيق علم الإسناد، والمعلل والعلة عبارة عن معنى في الحديث خفي يقتضي ضعف الحديث مع أن ظاهره السلامة منها، وتكون العلة تارة في المتن، وتارة في الإسناد ... ) .
فعلم الحديث ينقسم إلى قسمين:
1 -علم الحديث رواية: علم يشتمل على نقل أقوال النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، وأفعاله، وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها.
2 -علم الحديث دراية: علم يعرف منه حقيقة الرواية وشروطها، وأنواعها، وأحكامها، وحال الرواة وشروطهم، وأصناف المرويات وما يتعلق بها.
انظر: (اليواقيت والدرر شرح شرح نخبة الفكر) (1/ 231) للمناوي، و (توجيه النظر إلى أصول الأثر) (1/ 792) للعلامة الطاهر الجزائري، تحقيق: شيخنا أبي غدة، و (قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث) (1/ 76) للقاسمي، و (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج) (1/ 47) .
(2) -قال المأسور من أجل عقيدته عمر بن مسعود الحدوشي-عفا الله عنه وفرج عنه-: (وأنا ذلك الرجل، كنت زمن الصبا أحفظ المتون الفقهية والأصولية والنحوية والبلاغية والحديثية وكنت أكثر من مطالعة:(نزهة المجالس ... ) ، و (دقائق الأخبار ... ) ، و (بدائع الزهور ... ) ، و (وصية أبي هريرة) ونحوها من الكتب التي تجمع كل ما وجدت في طريقها، بصرف النظر عن درجته، حتى حفظت هذه الكتب عن ظهر قلب، فكان الناس يجتمعون ويتحلقون حولي بعد صلاة العصر، وصلاة المغرب بحي بُوجَرَّاح بتطوان، وأرض الدولة ببني مكادة طنجة لأحدثهم فكنت أحدثهم والناس يتعجبون من حفظي مع صغر سني، وكان سني آنذاك 14 - سنة أو: أقل.
وبعد أن منَّ الله علي بطلب العلم، وعلمت أن هذه الكتب التي كنت ألقي بها الدروس عبارة عن خزانة كبيرة للموضوعات، والترهات والخرافات والخزعبلات والضلالات، قررت أن أخبرهم بأن ما كنت أقول لهم وأحدثهم به غير صحيح، وبدأت معهم"الأربعون النووية"، و (بلوغ المرام) ، و (موطأ مالك) ، فاقتنعوا، والحمد لله الذي أنقذني وإياهم من براثين الموضوع والباطل).