فهرس الكتاب
العالم، والتفرغ للعبادة، وأن المتدين الحق هو الذي يتبطل فلا يعمل، وينقشف فلا يتمتع، ويتبتل فلا يتزوج، ويتعبد فلا يفتر، ليله قائم، ونهاره صائم، يده في الدنيا صفر، وحظه من الحياة خبز الشعير، ولبس المرقّع، واتخاذ الفلوات دارا!.
3 -وبين هاتين النزعتين قام الإسلام، يدعو إلى التوازن والاعتدال، فصحح مفهوم الناس عن حقيقة الإنسان، وعن حقيقة الحياة.
فالإنسان مخلوق مزدوج الطبيعة، يقوم كيانه على قبضة من طين الأرض، ونفخة من روح الله، ففيه عنصر أرضي، يتمثل في جسمه الذي يطلب حظه مما خرج من الأرض من متاع وزينة، وفيه عنصر سماوي يتمثل في روحه التي تتطلع إلى هداها مما نزل من السماء.
وقد أشار القرآن إلى هذه الطبيعة المزدوجة في خلق الإنسان الأول: آدم أبي البشر، فقال تعالى: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 71 - 72] .
وأشار إلى هذه الطبيعة نفسها في خلق ذرية آدم حيث قال: {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة: 7 - 9] .
وكان من حكمة الله سبحانه أن خلق الإنسان على هذه الطبيعة، لأنها تتفق مع الرسالة التي كلف القيام يها، وهي الخلافة في الأرض.
فهو - بعنصره الطيني المادي - قادر على أن يسعى في الأرض ويعمرها ويحسنها، ويكتشف ما أودع الله فيها من كنوز ونعم، ويسخر قواها المتنوعة - بإذن الله - لمنفعته والنهوض بمهمته، فالجسم المادي في الإنسان ليس - إذن - شرا ولا لعنة، ولو كان الإنسان روحا خالصا كالملائكة ما وجدت لديه الدوافع التي تحفزه على استخدام المادة والمشي في مناكب الأرض والكشف عن