أنزله الله، وتلقاه محمد - صلى الله عليه وسلم - وحفظه أصحابه، وبلّغوه لمن بعدهم، محفوظا في الصدور، متلوًّا بالألسنة، مكتوبا في المصاحف، لم تضِع منه كلمة، ولم تتغير فيه جملة .. على حين حرفت وبدلت - أو ضاعت بالكلية - كل الكتب السماوية التي نزلت من قبل، ولم يضمن الله لها الحفظ، لأنها كانت كتبا مرحلية لدعوة خاصة، ليس لها صفة العالمية لكل الناس، ولا صفة الخلود إلى أن تقوم الساعة، كما هو شأن دعوة الإسلام.
كما أن سنة محمد - صلى الله عليه وسلم - قد حفظت منتقاة مغربلة، لتكون التبيان النظري والعملي لهذا القرآن.
وإذا كان تاريخ الإسلام قد حفظ أسماء فرق كثيرة قد ظهرت في مجتمعه، فإنه قد سجل كذلك انقراض معظمها من المجتمع الإسلامي. فقد لفظها جمهور المسلمين، ولم يبق لها مكان بينهم، ولم يمض زمان على من بقي منهم حتى ذابوا في مجموع الأمة. ولئن بقيت بعض الفئات المتطرفة، إن الإسلام لا يتحمل وزرها، ولا تحسب انحرافاتها وشذوذها عليه، وعلى أمته الكبرى.
ولقد حدد الإسلام المرجع الذي يحتكم إليه المسلمون إذا اختلفوا، وذلك في قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59] .
وقد أجمع المسلمون منذ الصدر الأول على أن الرد إلى الله في الآية يعني الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله يعني الرد إلى سنته.
وقد وضع المسلمون علما خاصا في تفسير النصوص والاستنباط منها، هو علم (أصول الفقه) ، ليعينهم على وحدة الفهم. ولا أنكر أن كثيرا من مسائل الأصول نفسها مختلف فيها، ولكن الأمور الأساسية متفق عليها، وما عداها فإن الإسلام نفسه لم يحرج على أبنائه الاختلاف في شأنها.