على أن هنا علاجا عمليا آخر، للتقليل من خطر الاختلاف، وهو ما قرره علماء المسلمين من أن رأي الإمام يرفع الخلاف في المسائل الخلافية.
فمتى وجد للمسلمين إمام شرعي تمت إمامته بالاختيار والشورى والبيعة، كان رأيه في مسائل الخلاف العملية هو القول الفصل، أما المسائل النظرية، فلكلٍّ رأيه، وحسابه على الله.
الأيديولوجيات الحديثة وغموضها
ومن العجيب أن الذين يحاولون التنقص من هذه الخصيصة من خصائص الإسلام، بالتهويل والتضخيم في أمر الاختلاف الذي حدث في تاريخ المسلمين، وإلصاق كل فئة شاذة مارقة بصميم الأمة المسلمة، هؤلاء يتعامون عن الغموض البيّن، والاختلاف البارز، الذي يراه ويلمسه كل دارس للأيديولوجيات الوضعية المعاصرة التي أصبحت (أصنام) هذا العصر، وغدا هؤلاء وأمثالهم من الكتاب"الكهنة"الجدد لهذه الأوثان.
إن هذه الأيديولوجيات الحديثة البراقة، تفتقر إلى مجرد تعريف دقيق - أو كما يقول المناطقة: جامع مانع - يحدد مدلولها، ويوضح طبيعتها ومفاهيمها الأساسية، فإن هذا التعريف المجرد مفقود. ولهذا يختلفون حولها في كل شيء، حتى في معناها: ما هو؟
خذ مثلا: الديمقراطية
فنحن لا نكاد نجد في القرن العشرين أيديولوجية اجتماعية، ولا تنظيمية سياسية، من الليبرالية، إلى الاشتراكية، إلى الشيوعية، أو حتى الفاشيستية أو النازية إلا وتدعي كل منها أنها هي (الديمقراطية) الحقة، وأن ما عداها ديمقراطية زائفة، وبات الناس حائرين، أي هذه الديمقراطيات هو الأصيل، وأيها المدعي؟
ولا يخرج من هذا الغموض، وهذه البلبة الاحتكام إلى معايير خلقية أو روحية، لأن الجميع يدعون الحرص على الحرية والمساواة وكرامة الإنسان.