صاحبه الحق اعتباطا، لأنه لم يأت الأمر من بابه، وإنما هي رمية من غير رَامٍ، ومثل ذلك القضاء بما يخالف الحق، اتباعا للهوى، وحبا للدنيا، وفي هذا جاء الحديث: «قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ: فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ، فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ وَقَضَى بِغَيْرِهِ، فَذَلِكَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى عَلَى جَهْلٍ، فَذَلِكَ فِي النَّارِ» .
وتتمثل المرونة في إقراره - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ على اجتهاده في القضاء بعد أن لا يجد نصا في الكتاب ولا السنة. وفي إقراره لأصحابه على اجتهادهم في قضية صلاة العصر في بني قريظة، وأخذ فريق بظاهر الأمر، وفريق بالمقصود منه، وعدم تعنيفه لأي منهما.
وفي قوله: «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» ، فقرر بذلك مبدأ"الاجتهاد"لاستنباط الحكم الشرعي لكل واقعة تحدث، إما من نص أو من قياس عليه، أو غير ذلك من اعتبار المقاصد والمصالح التي جاء بها الشرع، كما قرر أن المجتهد في ذلك مأجور مثاب عند الله، وإن أخطأ مُحْزٍ الصواب.
ز- يتمثل الثبات في رفضه - صلى الله عليه وسلم - للابتكار والاختراع، وكل فنون الابتداع فيما يتعلق بالعبادات، وصور التقرب إلى الله تعالى، لأن الأصل في العبادات الحظر والتوقيف، فلا يعبد الله إلا بما شرعه وأذن به، لا بما تستحسنه العقول، وتسيغه الأهواء، فهذا هو من باب الغلوّ وأصل التحريف والتزييف في الأديان.
ولا غرو أن أغلق الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا الباب بإحكام وإصرار، بمثل قوله فيما رواه الشيخان عن عائشة: «مَنْ أَحْدَثَ فِيْ دِيْنِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» ، وفيما رواه أحمد ومسلم، وعلّقه البخاري عنه أيضا: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، وفيما رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح، من حديث العرباض بن سارية: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُوْرِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» .