فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 254

وتتمثل المرونة في تشجيع الابتكار والاختراع في أمور الدنيا، مثل وسائل المواصلات التي يشير إليها قوله تعالى بعد ذكر الخيل والبغال والحمير: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] ، ومثل أدوات الحرب التي تدخل في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] ، ومثل صناعة السدود العظيمة التي تشير إليها قصة (ذي القرنين) في سورة الكهف، وسائر الصناعات الحربية والمدنية، التي تشير إليها الآية الكريمة: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25] .

ولهذا، رأيناه - صلى الله عليه وسلم - يحفر الخندق حول المدينة في غزوة الأحزاب، ويستخدم المنجنيق في غوة الطائف، ويحث على الإنتاج الحربي حتى يجعل صانع السهم كالمجاهد الرامي به في استحقاق المثوبة عند الله، ويحذر الأمة أن تكتفي بالزرع وتتبع أذناب البقر. كما رأيناه يتنازل عن رأيه إلى رأي أصحابه فيما يرى أنهم أعلم به وأخبر من أمور الحياة، التي لم ينزل الوحي ليعلمها للناس، وإنما تركت لعقولهم وتجاربهم، يتعلمونها بدافع حاجتهم وحرصهم على مصالحهم ومعايشهم.

وأظهر مثل لذلك قصة (تأبير النخل وتلقيحه) ، حيث كان ذلك من عادة أهل المدينة، وهم أهل نخل وزرع، فسألهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صنيعهم، فأخبر به، فقال: ما أراه يصلح. فبلغهم قوله - عليه السلام - وظنوه وحيا وتشريعا، وتركوا التلقيح، فلم يصلح الثمر. فلما علم بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِيْنِكُمْ، فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِيْ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ» ، وفي رواية: «إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلَا تُؤَاخِذُوْنِيْ بِالظَّنِّ، أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» رواه مسلم.

حـ- يتمثل الثبات في رفضه - صلى الله عليه وسلم - الغلوّ في الدين، وإخراج الإسلام عن وسطيته واعتداله إلى التطرف والتنطع، سواء أكان في العقائد أم في العبادات أم الأخلاق أم الشرائع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت