ما يوضح بطلان ما ادعاه جولدتسيهر [1] : «وقال أبو عبيد: في حديثه عليه السلام أنه قال:
أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف، وبعضهم يرويه فاقرءوا كما علمتم».
«قال أبو عبيد قوله: سبعة أحرف يعني سبع لغات من لغات العرب، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، هذا ما لم نسمع به قط، ولكن نقول: هذه اللغات متفرقة في القرآن، فبعضه نزل بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة أهل اليمن، وكذلك سائر اللغات، ومعانيها مع هذا كله واحدة.
ومما يبين ذلك قول ابن مسعود: إني قد سمعت القراء فوجدتهم متقاربين فاقرءوا كما علمتم، إنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال. وكذلك قال ابن سيرين: إنما هو كقولك:
هلم وتعالى وأقبل. ثم فسره ابن سيرين فقال في قراءة ابن مسعود (إن كانت إلا زقية واحدة) وفي قراءتنا {إِنْ كََانَتْ إِلََّا صَيْحَةً وََاحِدَةً} *. وعلى هذا سائر اللغات.
«وقد روي في حديث خلاف هذا، قال: نزل القرآن على سبعة أحرف: حلال وحرام، وأمر ونهي، وخبر ما كان قبلكم، وخبر ما هو كائن بعدكم، وضرب أمثال.
قال أبو عبيد: ولسنا ندري ما وجه هذا الحديث لأنه شاذ غير مسند، والأحاديث المسندة المثبتة ترده، ألا ترى أن في حديث عمر الذي ذكرناه في أوله أنه قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها. فأتيت به النبي عليه السلام، فأخبرته فقال له: اقرأ فقرأ تلك القراءة، فقال هكذا أنزلت. ثم قال لي: اقرأ، فقرأت قراءتي فقال: هكذا أنزلت، ثم قال: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه، وكذلك حديث أبي بن كعب هو مثل حديث عمر أو نحوه، فهذا يبين لك أن الاختلاف إنما هو في اللفظ والمعنى واحد وليس يكون المعنى في السبعة الأحرف إلا على اللغات لا غير، بمعنى واحد، لا يختلف فيه حلال ولا حرام ولا خبر ولا غير ذلك».
وقد نقلنا كلام أبي عبيد هنا على طوله لتتأكد صحة الحديث، وتزول من الأذهان الشبهة التي حاول جولدتسهير إثارتها استنادا إلى فهمه الخاطئ للرواية أو تحريفه المتعمد لكلام أبي عبيد. وسنشير إلى رأي أبي عبيد، الذي فصله هنا في معنى الحديث، بعد قليل.
(1) ج 3، ص (161159) .