وظل العلماء يتناولونه بالبحث سندا ومتنا، وتكلم فيه أصناف العلماء من أهل الحديث والفقهاء والقراء وأهل التفسير والكلام وشرح الغريب وغيرهم، حتى صنّف فيه التصنيف المفرد، مثل ما صنع الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعي المعروف بأبي شامة (ت 665هـ) فقد ألف فيه كتابا حافلا [1] .
ومن أقدم من تعرض لبيان المراد من هذا الحديث ممن وصلت إلينا آراؤهم هو أبو عبيد القاسم بن سلام، وقد مرت من قريب نصوص مما قاله في ذلك، وهي توضح موقفه من معنى الحديث. ويقول أيضا [2] : «ولكنه عندنا أنه نزل على سبع لغات متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب، فيكون بعضه بلغة قبيلة، والثاني بلغة أخرى سواها، والثالث بلغة أخرى سواهما، وكذلك إلى السبعة» . ويؤكد ذلك المعنى بقوله [3] :
«والأحرف لا معنى لها إلا اللغات مع أن تأويل كل حديث منها بيّن في الحديث نفسه، ألا ترى أن عمر قال: سمعت هشام من حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأ
(أمثله أخرى) فأنت ترى أن اختلافهم إنما كان في الوجوه والحروف التي تفرق فيها الألفاظ، فأما التأويل فلم يختلفوا فيه». ويوضح مراده بمثال من قراءة من قراءة ابن مسعود (زقية) مكان (صيحة) وينقل عن ابن مسعود وابن سيرين: (أنه كذلك: هلم وتعال وأقبل) . وكأن مفهوم الحديث عند أبي عبيد هو اختلاف الألفاظ مع اتفاق المعنى، وأن ذلك يرجع إلى سبع لغات من لغات العرب، دون أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه من تلك اللغات.
ويروي أبو عبيد عن ابن عباس تسمية أسماء القبائل المقصودة لغاتها من طريقين:
التالية. وانظر في معنى الحرف عامة لغة واصطلاحا: (د. عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن، ص 195وما بعدها) .
(1) انظر ابن تيمية (تقي الدين أحمد بن عبد الحليم) : مجموعة فتاوى ابن تيمية، القاهرة، مطبعة كردستان العلمية، 1325هـ، مج 1، ص 312. وابن الجزري: النشر، ج 1، ص 21. وفي العصر الحديث كتب الشيخ محمد بخيت المطيعي (ت 1935م) رسالة سماها: الكلمات الحسان في الحروف السبعة وجمع القرآن (القاهرة، المطبعة الخيرية، 1313هـ) جمع فيها أكثر ما قيل في هذا الموضوع في المصنفات القديمة.
(2) فضائل القرآن، لوحة 47.
(3) نفس المصدر، لوحة 48.