وقد ثبت أن ورود الرخصة والتيسير كانت بعد الهجرة النبوية إلى المدينة، وأن روايات الحديث كانت تصف أحداثا وقعت في المدينة [1] . وهذا يعني أن الاختلاف في القراءة لم يكن قد برز في المجتمع المكي حيث كان المسلمون من بيئة لغوية واحدة، تكاد تنعدم فيها الفروق اللغوية، وحين هاجر النبي وصحابته إلى المدينة المنورة تغيرت الحال، فازداد عدد المسلمين، وامتد الإسلام إلى خارج المدينة بين القبائل العربية في بيئات لا تخلو من الفوارق اللغوية، واختلاف العادات النطقية، ولما كان الإسلام يهدف إلى أن يتلو القرآن كل مسلم فقد ظهرت مشكلة القدرة على تحقيق ألفاظ التلاوة بكل خصائصها الصوتية، لأن العرب «متباينون في كثير من الألفاظ واللغات، ولكل عمارة لغة دلت بها ألسنتهم، وفحوى قد جرت عليها عاداتهم» [2] .
ويصور ابن قتيبة أبعاد تلك الرخصة حين يقول [3] : «فكان من تيسيره (سبحانه) أمره (النبي) بأن يقرئ كلّ قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم. فالهذلي يقرأ (عتى حين) يريد (حتى حين) لأنه كان يلفظ بها ويستعملها، والأسدي يقرأ: تعلمون وتعلم، و (تسودّ وجوه) ، و (ألم اعهد إليكم) ، والتميمي يهمز، والقرشي لا يهمز، والآخر يقرأ (وإذا قيل لهم) ، و (غيض الماء) بإشمام الضم مع الكسر، و (هذه بضاعتنا ردت إلينا) بإشمام الكسر مع الضم، و (مالك لا تأمنا) بإشمام الضم مع الإدغام، وهذا ما لا يطوع به كل لسان.
ولو أن كل فريق من هؤلاء أمر أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلا وناشئا وكهلا، لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان، وقطع للعادة، فأراد الله، برحمته ولطفه، أن يجمل متسعا في اللغات ومتصرفا في الحركات».
وسواء أكان عدد السبعة الوارد في الحديث الشريف مقصودا به الحصر، كما يذهب إلى ذلك أكثر من أشرنا إلى آرائهم، أم أنه ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بحيث لا
(1) انظر ابن حجر: ج 10، ص 403. ود. عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن، ص 39. ود. عبده الراجحي: اللهجات العربية في القراءات القرآنية، القاهرة، دار المعارف، 1969، ص 68.
(2) البلوي، ج 1، ص 211. وانظر ابن النديم: ص 5.
(3) تأويل مشكل القرآن، ص 30. وانظر مكي: الإبانة، ص 42. والداني: جامع البيان، ورقة 5ب.