العرب في تاريخ العرب» [1] والروايات العربية بشأن نشأة الكتابة العربية غير قادرة وحدها على إعطاء تصور واضح لذلك.
وقد أسهمت دراسات المستشرقين في مجال النقوش الكتابية التي عثر عليها في أطراف الجزيرة العربية في وضع الروايات العربية في اتجاه صحيح، واستبعاد ما وضح بطلانه منها، «حتى إنه يمكن الآن صياغة نظرية مقبولة عن ظهور ونشأة الكتابة العربية قبل الإسلام» [2] . مع أن أبحاث المستشرقين عن الخط العربي وتاريخه قبل الإسلام لا تزال في مراحلها الأولى [3] ، رغم النتائج العلمية التي تم التوصل إليها، وهي بانتظار ما سيتم الكشف عنه من نقوش وشواهد وآثار في الجزيرة العربية، حتى تتمكن من سد الفجوات القائمة في النظرية الحديثة [4] .
لكن القصور المشار إليه في الروايات العربية بشأن نشأة الكتابة لا يعني أن نضرب صفحا عن كل ما رواه العلماء والمؤرخون العرب بصدد ذلك، وإذا كان البحث العلمي يرد كثيرا منها، فإن جزءا من تلك الروايات يلقي مزيدا من الوضوح على ما تقدمه دراسة النقوش القليلة التي تم كشفها إلى الآن، والتي اعتمد عليها الباحثون في بيان نشأة الكتابة العربية، ولا جرم في ذلك، إذ إن تلك الروايات تمثل رأي أناس عاشوا قريبا من تلك الفترة التاريخية، وهي قادرة على أن تسهم في سد بعض فجوات ومشكلات الدراسات الحديثة.
ولتوضيح ذلك كله بقدر ما يقتضيه هذا الفصل من إيجاز سيتضمن المبحث الأول الروايات العربية عن حالة الكتابة العربية قبل الرسم العثماني، وموقفها من نشأتها وعلاقتها بالخطوط الأخرى، إضافة إلى بيان ما تقدمه الدراسات الحديثة من وسائل في
(1) د. جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، بغداد، المجتمع العلمي العراقي 1950، ج 1، ص 10، وسأشير إلى هذا المصدر في المواضع الآتية بذكر المؤلف حسب.
(3) د. جواد علي، ج 1، ص 201.
(4) د. الطاهر أحمد مكي: دراسة في مصادر الأدب، ط 2، دار المعارف، 1970، ج 1، ص 41، وانظر المرجع السابق، ج 7، ص 341.