قال بعضهم) تقطع بأن رأي العز هو ما ذكرناه، وأن ما جاء بعده من كلام هو للزركشي، وبذلك وحده يستقيم معنى النص، وليس غريبا على الإمام العز مثل هذا الرأي الذي تفرد به فهو صاحب نظرية المصالح، فالشريعة «كلها مصالح، إمّا تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح» [1] . وقد أداه اجتهاده أن في مذهبه مصلحة وتيسيرا على الأمة، لكن يبدو أنه قد غاب عنه ما للرسم العثماني من دور في تصحيح القراءات إضافة إلى كونه أثرا من أيدي الصحابة الكرام الذين هم أول من تلقى القرآن وسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم وأول من خطه في المصاحف «ولم يكن ذلك من الصحابة كيف اتفق بل على أمر عندهم قد تحقق» [2] ، وسيتضح لنا صدق هذه المقولة في الصفحات القادمة إن شاء الله.
ونتيجة لعجز بعض العلماء عن إدراك أسباب ورود بعض الكلمات مرسومة بهيئة تخالف اللفظ من زيادة حرف أو نقصه، ذهب إلى أن رسم المصحف وهيئات صور الكلمات إنما هي توقيف عن النبي صلى الله عليه وسلّم [3] وقد عبر عن هذا المذهب بكل أبعاده الشيخ عبد العزيز الدباغ (11321090هـ) فيما نقله عنه تلميذه أحمد بن المبارك (1090 1155هـ) في كتاب الإبريز بقوله [4] «ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة، وإنما هو بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها، لأسرار لا تهدى إليها العقول وهو سر من الأسرار خص الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية وكما أن نظم القرآن معجز فرسمه أيضا معجز، وكيف تهتدي العقول إلى سر زيادة الألف في (مائة) دون (فئة) وإلى سر زيادة الياء في (بأييد) في قوله تعالى: والسّماء بنيناها بأييد (47) [الذاريات] أم كيف تتوصل إلى سر زيادة الألف في (سعوا) من قوله تعالى في الحج: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيََاتِنََا مُعََاجِزِينَ أُولََئِكَ أَصْحََابُ الْجَحِيمِ (51) } وعدم زيادتها في سبأ فكل ذلك لأسرار إلهية، وأغراض نبوية، وإنما خفيت على الناس لأنها أسرار باطنية لا تدرك إلا بالفتح الرباني» .
(1) العز: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، 1968، ج 1، ص 11.
(2) انظر القسطلاني: ج 1، ص 285.
(3) انظر الشيخ محمد بخيت المطيعي: ص 36. والزرقاني: ج 1، ص 370وما بعدها. ومحمد طاهر الكردي: تاريخ القرآن، ص 101. وعبد الوهاب حمودة: ص 100.
(4) أحمد بن المبارك: الإبريز، ص (5655) . وانظر: الزرقاني: ص 375وما بعدها.