ذهابه إلى جواز كتابة المصحف بالمألوف من الهجاء عند الناس بل هو يوجب ذلك خشية وقوع التغيير في القرآن من قبل الجهال، فقد أورد الزركشي في البرهان مذهبه ذاك حيث يقول [1] : «قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة، لئلا يوقع في تغيير الجهال» ، ويعقب الزركشي مباشرة على قول العز بقوله: «ولكن لا ينبغي إجراء هذا على إطلاقه، لئلا يؤدي إلى دروس العلم، وشيء أحكمته القدماء لا يترك مراعاة لجهل الجاهلين، ولن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة» [2] .
وقد أسيء فهم مذهب العز، وخلط بعض الباحثين بينه وبين تعقيب الزركشي عليه دون مبالاة بالتناقض الواضح الذي أدى إليه ذلك الخلط [3] ، وقد نقل الدمياطي في الإتحاف ما أورده الزركشي في البرهان مما نقلنا بعضه قبل قليل، فأورد بعد رأي العز قوله «وهذا كما قال بعضهم لا ينبغي إجراؤه على إطلاقه» [4] وهو تصريح منه أن ما جاء في البرهان إنما هو قولان، وهو إن لم يصرح باسم الزركشي إلا أن عبارته (كما
(1) ج 1، ص 379، وقد حاولت العثور على رأي ابن عبد السلام هذا في أحد كتبه الثلاثة المطبوعة (الفوائد، والإشارة، وقواعد الأحكام) فلم أوفق.
(2) نقل القسطلاني أيضا، (ج 1، ص 279) رأي العز وتعقيب الزركشي عليه.
(3) منهم الشيخ الزرقاني (انظر ج 1، ص 378) ، فقد أورد كلا من قولي العز والزركشي على صعيد واحد لا يفهم منه أنهما قولان متمايزان، ومنهم د. صبحي الصالح (انظر ص 280) فقد أورد مذهب العز على هذا النحو «لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة، لئلا يؤدي إلى دروس العلم، وشيء أحكمته القدماء لا يترك مراعاة لجهل الجاهلين. ولن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة» ثم أشار إلى الموضع الذي نقلنا منه رأي العز في البرهان، وواضح أن الدكتور الصالح قد خلط بين قول العز وتعقيب الزركشي عليه، ويبدو أن الذي أوقعه في ذلك هو ما حدث له من انتقال نظر عند كلمة (لئلا) في القولين فنسي بعضنا من قول العز وألحق به طرفا من تعقيب الزركشي عليه، فأدى ذلك إلى تناقض في ما أورده، اضطر أن يقدم لذلك تعليلا، ليس له مكان لولا ذلك الخلط. ووقع في ذلك الخلط ودافع عنه د. عبد الحي الفرماوي (ص 280) فهو يصر على أن قول الزركشي إنما هو جزء من مذهب العز دون ملاحظة ما يوقعه ذلك من اضطراب وخلط، ولعل المستقبل يكشف عن رأي العز في أحد كتبه إن شاء الله فيقطع كل مجال للقول والتمحل والتعسف في التأويل.
(4) ص 9.