وتشير كتب التاريخ إلى استخدام الكتابة في مكة في وقت مبكر، فهذا قصي بن كلاب يكتب من مكة إلى أخيه ابن أمه رزاح بن ربيعة بن حرام العذري، في مشارف الشام، يدعوه إلى نصرته والقيام معه في منازعة خزاعة وبني بكر أمر مكة [1] .
ولعل فيما يرويه البلاذري عن عدد الكاتبين في مكة والمدينة حين ظهور الإسلام، رغم أن هذه الرواية ربما لا تمثل الواقع تماما، ما يضع الحقيقة التاريخية التي اختلت في قول ابن قتيبة السابق، ومن شايعه في مذهبه في موضعها الصحيح، حين يقول: «دخل الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب» ، ويقول عن الكتابة في المدينة: إن الإسلام جاء وفيهم عدة يكتبون، وعدّد منهم أحد عشر كاتبا [2] . فالكتابة في المدينة لا تختلف حالتها عنها في مكة، كما يتضح من قول البلاذري، بل إن الواقدي (ت 207) يشير إلى أن «بعض اليهود قد علم كتاب العربية، وكان يعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول» [3] ، ويبدو أن وجود أهل الكتاب في المدينة كان له أثر في انتشار الكتابة هناك [4] . ولعل في الذي قام به الصحابة في خدمة حاجة الدولة الإسلامية الجديدة سواء في كتابة الوحي أم كتب النبي صلى الله عليه وسلم، وما يجري بين الناس من معاملات ما
(1) ابن هشام (أبو محمد عبد الملك) : السيرة النبوية، ط 2، القاهرة، مصطفى البابي الحلبي، 1955، ق، ص 188.
وابن سعد: ج 1، ص 67، والطبري (محمد بن جرير) : تاريخ الرسل والملوك، القاهرة، دار المعارف، ج 2، ص 256، لكن ابن حبيب (ص 17و 82و 84) يشير إلى الحادثة بلفظ (بعث) وهي تحتمل الكتابة أيضا.
(2) البلاذري (أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي) : فتوح البلدان، ط 1، القاهرة، شركة بيع الكتب العربية 1901، ص 477و 479.
وانظر: ابن عبد ربه (أبو عمر أحمد بن حمد الأندلسي) : العقد الفريد، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ج 4، ص 157.
والقلقشندي (أبو العباس أحمد) : صبح الأعشى في كتابة الإنشا، القاهرة، دار الكتب العربية 1913، ج 3، ص 15.
وطاش كبري زاده (أحمد بن مصطفى) : مفتاح السعادة ومصباح السيادة، ط 1، حيدرآباد، دائرة المعارف، ج 1، ص 74.
(3) البلاذري، ص 479.
(4) انظر: د. جواد علي، ج 7، ص 65، ود. إبراهيم أنيس: دلالة الألفاظ ص 186.