يؤكد الحالة التي كانت عليها الكتابة العربية في الحجاز قبل الإسلام، لأن معظم الصحابة إنما نشئوا واكتسبوا خبراتهم الحياتية في الجاهلية.
وإذا تركنا قلب الجزيرة إلى أطرافها الشمالية نجد الروايات العربية تكثر مؤكدة استخدام الكتابة على نطاق واسع، فهذا حماد جدّ عديّ بن زيد الشاعر (ت نحو 590هـ) قد كتب للنعمان الأكبر، وأن عديا كان يكتب بالعربية لملك فارس [1] ، وما دام عدي يستخدم العربية في ديوان ملك الفرس، فإن من المنطقي أن تكون الكتابة العربية هي المستعملة في إمارة المناذرة في الحيرة [2] . وقصة الشاعرين المتلمس وطرفة مشهورة، إذ كانا قد قدما على عمرو بن هند ملك الحيرة، فكتب لهما كتابين إلى عامله في البحرين، يأمره بقتلهما، وأخبر هما أنه كتب لهما بجائزة، وتروي القصة كيف أعطى المتلمس صحيفته لغلام من غلمان الحيرة فقرأها له ونجا بنفسه [3] ، إذ تدل هذه القصة على مدى شيوع الكتابة في الحيرة، وكذلك احتمال معرفة الكتابة العربية في البحرين، وقد كانت القبائل العربية في غربي العراق تمتد منازلها قبل الإسلام ما بين الأنبار وبقّة وهيت وعين التمر وأطراف البر والقطقطانة والحيرة [4] . ومما يذكر أن خالد بن الوليد بعد أن فرغ من فتح الأنبار وأمن أهلها وظهروا «رآهم يكتبون بالعربية ويتعلمونها» [5] ، وحين خرج خالد إلى عين التمر وجد صبيانا يتعلمون الكتابة [6] . ويبدو أن شهرة أهل الحيرة وما جاورها بالكتابة قد استمرت حتى في الإسلام، فهذا عبد الرحمن بن عوف يستكتب رجلا من أهل الحيرة نصرانيا مصحفا، فأعطاه ستين
(1) ابن قتيبة: الشعر والشعراء، ط 2، دار المعارف بمصر 1966، ج 1، ص 228.
(3) ابن قتيبة: الشعر والشعراء، ج 1، ص 179، وانظر: أبو الفرج الأصبهاني (علي بن الحسين) :
كتاب الأغاني، بيروت، دار الثقافة، ج 23، ج 539، وابن منظور (محمد بن مكرم) : لسان العرب، ط 1، بولاق، مادة (صحف) ، ج 11، ص 88.
(4) أبو الفرج الأصبهاني: ج 15، ص 250، وانظر في تعيين أماكن هذه القرى الواقعة على الفرات غربي العراق: ياقوت بن عبد الله الحموي: معجم البلدان، ط 1، الخانجي، القاهرة، 1906، ج 1، ص 341، ج 2، ص 253، ج 8، ص 486، ج 6، ص 253، ج 7، ص 125، ج 3، ص 376.
(5) الطبري: التاريخ، ج 3، ص 375.
(6) ياقوت: معجم البلدان، مادة (نقيرة) ، ج 8، ص 311.