كما كتبت التاء والثاء على صورة الياء، وكتبت الهمزة على صورة حروف اللين وعلى الحذف اتباعا لتخفيفها في اللفظ». ورغم أنا نعرف الآن خطأ القول بكون رمز الألف في الأصل هو علامة للفتحة الطويلة، التي سماها ابن درستويه (مدة الحرف المفتوح) ، لا الهمزة، فإن تصوّره للمشكلة وعلاقة الحركات الطويلة بالواو والياء صوتا ورمزا تصوّر صحيح لم يأت معه المحدثون بجديد إلا في مسألة رغم أهميتها هي مسألة تاريخية.
ولم ينفرد ابن درستويه بهذا الفهم، فهذا حمزة الأصفهاني يقول وهو يحاول أن يقدم لنا ما يشبه ما يسميه المحدثون (الكتابة الصوتية الدولية) [1] : «ولو رام إنسان من أهل الزمان أن يضع كتابة سليمة من التصحيف جامعة لكل الحروف التي تشمل على جميع اللغات لزمه أن يضع أربعين صورة لأربعين حرفا، منها ثمانية وعشرون حرفا ما قد رسم بها هجاء العربية التي هي أب ت ث ج ح خ ومنها أربعة جارية في العربية على ألسن أهلها ولم يخصوها بصورة وهي: النون الغناء، والهمزة، والواو والياء اللينتان. فالنون الغناء هي التي تخرج من الغنة، وهي مثل نون (منذر) لأنها ليست من مخرج نون رسن. والهمزة مثل قرأ ورفأ ومثل أول حرف من أحمد لأنها ليست من مخرج ألف حامد. والواو والياء في (عمود وبعير) لأنهما ليستا من مخرج ياء (يزيد وزيد) وواو (واصل وصواب) » .
ولعل الذي جلب الاضطراب في موقف علماء العربية من رموز الحركات الطويلة خاصة هو أنهم اعتبروا أن أصل الأبجدية وضع ليشمل الأصوات الصامتة وأصوات الحركات لكن الحقيقة كما بيّنا من قبل أن الأبجدية وضعت أصلا لتمثل الأصوات الصامتة وأن دلالتها على بعض أصوات الحركات الطويلة قد جاء بعد تطور استعمال رموز الأبجدية الصامتة للدلالة على تلك الحركات.
ونتيجة لذلك فقد حاول علماء العربية استكمال النقص الذي استشعروه في الأبجدية العربية لتكون شاملة لرموز الصوامت والحركات على السواء لكن محاولتهم جاءت ناقصة أيضا، فبعد أن تم شيوع الترتيب الهجائي الجديد [2] ، الذي يجري على تجميع صور
(1) التنبيه على حدوث التصحيف، ص 33.
(2) سنشير إليه في الفصل الخامس، انظر: ص (482) .