الكتابة النبطية كانت تكتب بحروف منفصلة متميزة بعضها عن بعض في الفترات المبكرة من تاريخها، إلا أنه بتقدم الزمن مالت الحروف في الكلمة الواحدة إلى أن ترتبط برباط ساعد على أن تفتقد بعض الحروف صورتها المستقلة وتقترب من صور حروف أخرى، وأدى ذلك أيضا إلى تعدد صورة الحرف الواحد تبعا لاختلاف موقعه في الكلمة، وقد ظلت ظاهرة اشتراك بعض الأصوات الصامتة في رمز واحد في الكتابة العربية قائمة عند ما استخدمها كتبة الوحي في تدوين النص القرآني، وحين نسخوا المصاحف العثمانية، واستمرت الحال كذلك إلى النصف الثاني من القرن الأول الهجري، على ما يرجح، وعلى ما سيتبين في فصل تال إن شاء الله. ولعل مما يشير إلى أن رموز الكتابة العربية كانت في يوم ما متميزة عن بعضها في الشكل ما نجده من اختلاف صور رموزها عند ما تكون منفصلة أو في نهاية الكلمة.
على أن التشابه في صور رموز بعض الأصوات لم يكن يمثل عقبة في وجه القراءة الصحيحة للنص المكتوب، خاصة مع تمكن اللغة الفصيحة من نفوس الناس آنذاك، إلى جانب أن التلقين الشفهي كان الوسيلة الأولى قبل الكتابة لتلقي النص القرآني وحفظه وإذاعته.
ويبدو أن عملية استخلاص الأصوات التي خصها الكتاب برموز مستقلة كانت عملية لغوية تحليلية عميقة تستحق التأمل، خاصة أنها حدثت في وقت متقدم جدا من تاريخ الحضارة الإنسانية، أي مع اختراع نظام الكتابة الهجائية القائم على أساس تخصيص رمز واحد لكل صوت من أصوات اللغة، وتظهر أهمية تلك العملية عند ما نعلم أن اللغة المنطوقة التي يمثلها في الكتابة عدد محدود من الرموز تحتوي أضعاف تلك الرموز من الأصوات اللغوية المتميزة في النطق، وكان على الكاتب الأول أن يختزل ذلك العدد الضخم من الأصوات التي يحاول تمثيلها في الكتابة إلى عدد أقل من الوحدات التي يطلق عليها في الدراسات اللغوية المعاصرة مصطلح (الفونيم) [1] والتي خصص لكل منها رمز خطي واحد، فالنون مثلا اصطلاح شامل يدخل تحته عدد من الأصوات، كالذي في بداية (نحن) والذي قبل الثاء في (إن ثاب) وقبل الظاء في
(1) انظر في معنى الفونيم والنظريات التي قامت حول تحديد مفهومه: د. محمود السعران: ص 121 وما بعدها. ود. كمال محمد بشر: الأصوات، ص (213201) .