رسمها إلى ذلك صحيحا [1] ، وربما دل ذلك على مرحلة من مراحل تطور استخدام كلا الرمزين.
أما أن يكون سبب حذف رموز الحركات الطويلة في الحالات التي جاءت فيها غير مثبتة الاستخفاف والاختصار في الخط [2] ، أو الاستغناء عنهن باللفظ [3] ، كما علل بعض علماء السلف، فإن ذلك يبدو غير منسجم مع الواقع، بعد أن بينا تاريخ تطور استخدام رموز الحركات الطويلة، ومثل ذلك أيضا التعليل بكثرة الألفات والواوات والياءات في الرسم، كما ذهب إلى ذلك أبو عمر الطلمنكي (أحمد بن محمد ت 429هـ) فقد قال في كتاب الرد والانتصار [4] : إن الألفات إنما حذفن من الرسم لكثرتهن لأن عدد ألفات القرآن على قراءة نافع ثمانية وأربعون ألفا وسبعمائة وأربعون، فلو ثبتت هذه الألفات كلها لصار المصحف كله ألفات. وكذلك الواوات والياءات حذفن لكثرتهن، ولاستثقال حرفين متشابهين في كلمة واحدة، وذلك أن في القرآن العظيم خمسة وعشرين ألف واو وخمسمائة وستة. ومن الياءات خمسة وعشرون ألفا وتسعمائة وتسعة.
إن تأمل كلام أئمة الرسم في عدم إثبات رموز الحركات الطويلة، ورمز الفتحة منها خاصة يوحي أنهم كانوا يظنون أن تلك الرموز كانت في يوم ما مستعملة يثبتها الكتاب في كل حالات ورودها في الكلمة، وفي فترات لا حقة رأى الكتاب التخفف من كتابة رموز تلك الحركات «فحذفت من الخط استخفافا، وإذا كانت قد تحذف من اللفظ
فحذفها في الخط أيسر» [5] . واستخدام كلمة (الحذف) هنا يشير وحده إلى هذا الذي نقوله عن فهمهم للمشكلة، التي كشف البحث التاريخي في اللغة والكتابة عن حقيقة أبعادها، والتي غاب جانب كبير منها عن علماء السلف فأوقعهم ذلك في تلك الحيرة
(1) انظر: جامع الكلام في رسم المصحف الإمام (لمجهول) ، مخطوط في دار الكتب المصرية، ورقة 4ب.
(2) انظر ابن قتيبة: أدب الكاتب، ص 229. والمهدوي: ص 123. ومكي بن أبي طالب: الكشف عن وجوه القراءات السبع، دمشق، مجمع اللغة العربية، 1974، ج 1، ص 331. وعلم الدين السخاوي: الوسيلة، 15ب و 16/ أ. والرازي: مفاتيح الغيب، ج 1، ص 57.
(3) اللبيب، ورقة 20أ.
(4) نقلا عن اللبيب، ورقة (20أ 20ب) . وانظر أبو داود سليمان بن نجاح: لوحة 4.
(5) المهدوي: ص 123.