عشرات الأمثلة التي أهمل فيها إثبات الألف [1] ، ونحن لا نزال نلمس آثارا من هذه الظاهرة في الهجاء الحديث، في بضعة كلمات لم يجد الناس ضرورة لتغيير هجائها، أو أن صورها قد تحجرت على شكلها القديم فلم تعد تستجيب لمحاولات إدخال رمز الألف فيها، فظلت كذلك على مدى السنين، من مثل (لفظ الجلالة، ومثله: اللهم، وإله، وهذا، وهذه، وهذان، وهؤلاء، وأولئك، ولكن) وما أشبه ذلك.
ولا أشك في أن الذين شهدوا عصر نسخ المصاحف والسنوات التالية لذلك لم يشعروا تجاه تلك الظاهرة بأية غرابة، فذلك هجاؤهم الذي اعتادوه، وتلك طريقتهم في الكتابة، وإنما وقف عند تلك الظاهرة موقف المتأمل لها والمتعجب منها من عاش بعد الأجيال الإسلامية الأولى، حين ازداد استعمال الكتابة، وظهرت الحاجة إلى تعلم العربية من قبل عامة المسلمين، فذهبت السليقة التي كان يقرأ بها العربيّ النصّ المكتوب بالطريقة القديمة، وأسرع الكتّاب إلى تعميم الطريقة الكاملة لرسم الكلمات تيسيرا للقراءة، ومن هنا حدث الافتراق بين الرسم المصحفي والهجاء المستعمل من قبل الكتاب وعامة الناس، وبدا حينئذ عدم إثبات الألف أمرا غريبا للناس، عجزوا في الغالب عن إدراك أصوله التاريخية.
ولم يكن إثبات الألف أو حذفها في وسط الكلمة يجري دون أساس ما، فإن تأمل الأمثلة التي جاءت فيها الألف ثابتة في الخط وتلك التي حذفت منها، يمكن أن يعيننا على لمح ذلك الضابط أو المعيار، الذي كان يعمل في توجيه تلك الظاهرة، ويرسم الإطار الواسع الذي تتحرك من خلاله في طريقها إلى الكمال، ومع ذلك فلا يمكن القول بأن ذلك الضابط كان واضحا تمام الوضوح لدى الكتاب أو أنه كان يعمل بطريقة قاطعة في توجيه الظاهرة، بل إن من الكلمات ما ظل يتشبث بالصورة القديمة، دون أن يخضع لهذا المعيار الذي نحاول أن نتبينه من خلال الأمثلة، ومنها ما تجاوزه وبلغ المرحلة الجديدة قبل أن يبلغها سواها مما يشبهها من الكلمات، وربما كانت هناك عوامل أخرى تتعلق بطبيعة الحروف التي تتكون منها الكلمة نفسها، أو بمستوى الكاتب الثقافي ومعرفته بأصول الكتابة، فكلما كان على إلمام ومعرفة بالكتابة كان أكثر التزاما بصور هجاء الكلمات القديمة.
(1) انظر د. عبد العزيز الدالي: ص 218217. ود. صلاح الدين المنجد: ص 121و 122.