من أن أصل قراءة الحجازيين عامة، وأهل المدينة خاصة، كان ترك الهمزة ما نجده في الرسم العثماني نفسه عند ما نلقي عليه نظرة عامة، فقد بدت الهمزة مرسومة، في غير أول الكلمة، واوا أو ياء أو ألفا. وفي ذلك كله دلالة قوية على أن تمثيل الهمزة في المصاحف العثمانية جرى على الطريقة الثانية من الطريقتين اللتين ذكرناهما آنفا، وهي رسمها على نحو ما تؤول إليه في التخفيف [1] ، وعلينا أن نتذكر مع ذلك أن هناك جملة عوامل أثرت في هجاء الكلمات المهموزة، سنعرض لها بعد قليل.
وقد أشار إلى هذه الحقيقة كون رسم الهمزة في المصحف العثماني بني على تسهيل الهمزة الإمام أبو عمرو الداني، لكنه ظل مترددا في إطلاقها متشبثا بجريان الرسم على التحقيق والتسهيل معا، يقول [2] : «والهمزة قد تصور على المذهبين من التحقيق والتسهيل، دلالة على فشوهما واستعمالهما فيها، إلا أن أكثر الرسم ورد على التخفيف، والسبب في ذلك كونه لغة الذين ولوا نسخ المصاحف زمن عثمان، رحمه الله، وهم قريش، وعلى لغتهم أقرّت الكتابة حين وقع الخلاف بينهم وبين الأنصار فيها، على ما ورد في الخبر الثابت المذكور في كتاب المرسوم [3] ، فلذلك ورد تصوير أكثر الهمز على التسهيل، إذ هو المستقر في طباعهم والجاري على ألسنتهم» . وقد ألمح بعض العلماء إلى أن تمثيل الهمزة في الرسم العثماني قد جرى على التسهيل، لكن ذلك لم يتعد الملاحظة العابرة إلى محاولة فهم ظواهر رسم الهمزة في المصحف على أساس من ذلك [4] .
(1) مما قد يدل على ذلك تتابع الفواصل القرآنية منتهية بكلمات غير مهموزة، ومجيء كلمة مهموزة خلالها، نحو (الحاقة 69/ 117) (خاوية، باقية، بالخاطية، رابية، الجارية) . وفي نفس السورة (3937) نجد (الخاطون، تبصرون، تبصرون) . وكذلك نجد نفس الظاهرة في سورة مريم (19/ 7472) (جثيا، نديا، ريا) . فمجيء (بالخاطية، والخاطون، وريا) مع كلمات غير مهموزة قد يشير إلى أنها كتبت على نسق صوتي واحد.
(2) المحكم، ص 151.
(3) يريد كتابه (المقنع) ، والخبر المشار إليه هو اختلافهم في رسم كلمة التابوت. (انظر: المقنع، ص 5) .
(4) انظر السيوطي: همع الهوامع، ج 2، ص 233. ونصر الهوريني: ص 26و 65. والشيخ أحمد الإسكندري: تيسير الهجاء العربي. (مقالة في مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة، 1935) ، ج 1،