فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 692

الكتاب في تلك الفترات المتقدمة كانوا أقل تمسكا بالقواعد المطردة، وكانت أقلامهم تستجيب لنطق الكلمات وهي في السياق إلى جانب حرصهم على صور هجاء الكلمات التي تمثل نطقها مبدوءا بها وموقوفا عليها، فقد يتخلى الكتاب عن المعروف من صور هجاء بعض الكلمات، ويرسمون ما يحسونه في النطق الواقع فعلا، فكلمة (أكبر) تكتب بألف في أولها سواء أكان ذلك في مذهب من يحقق الهمزة أم يسهلها إذا نظر إليها على اعتبار أن القاعدة في الكتابة أن ترسم الكلمة مبدوءا بها وموقوفا عليها، لكن الكلمة إذا وقعت في سياق مثل (الله أكبر) فإن الهمزة في لغة أهل التخفيف ستأخذ حكم المتوسطة المفتوحة بعد ضمة فتخفف تخفيف (يؤيد) وعلى ذلك فمن المحتمل أن تأتي مرسومة هكذا (الله أوكبر) وربما يحذف الكتّاب رمز النطق القديم وهو الألف.

ويثبتون رمز النطق الجديد فيرسمونها (الله وكبر) ، ولعل هذا الشكل يبدو غريبا، لكنه هو ما وقع فعلا في نقش كتابي يعود إلى سنة (64) هجرية لا يحتمل أدنى شك، ففي هذا النقش الذي يشبه نقشا تذكاريا على الصخر، لرجل اسمه (ثابت بن يزيد الأشعري) وردت عبارة (الله أكبر كبيرا) وجاءت كلمة أكبر مرسومة هكذا (الله وكبر) بالواو، دون إثبات رمز الألف [1] ، وكأن الكاتب حين كتب هذا إنما كان يكتب ظاهرة نطقية كالتي نسمعها اليوم من كثير من الناس حين ينطقون بنفس العبارة بالواو على التخفيف [2] .

وقد شغلت تلك الأمثلة لرسم الهمزة بال علماء الرسم وعلماء العربية كثيرا وحاولوا أن يجدوا التفسير المناسب لكل مثال منها، أو لجميعها، ودار معظم تعليلاتهم حول فكرة الزيادة في الرسم للفرق بين صور الكلمات المتشابهة، تلك الفكرة التي ناقشناها في الفصل التمهيدي [3] ، حتى إن الأزهري يذكر من أنواع الواوات (الواو الفارقة) ، وهي

(1) «عثر على ذلك الشاهد في منطقة اسمها (حفنة الأبيض) قرب كربلاء في العراق، وصورته محفوظة في المتحف العراقي، ويتكون النص من ثلاثة عشر سطرا. انظر تفصيلا عن هذا النقش ص (463) من الفصل الخامس من هذا المبحث.

(2) هل أن مجيء الهمزة في كلمة (أكبر) في هذا النص بالواو يشير إلى أن الذين نزلوا هذا المكان من العراق في تلك الفترة كانوا يسهلون الهمزة مثل أهل الحجاز، أو أنه يمثل نطقا فرديا لكاتب هذا النص فحسب؟

(3) انظر: ص (7268) من الفصل التمهيدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت