فهرس الكتاب

الصفحة 350 من 692

يصيب نطقها من تغير، وقد يضيف الكتّاب رمزا كتابيا لتمثيل النطق الجديد للكلمة دون تغيير هجائها القديم، ومن ثم فإن الهمزة تبدو في بعض الأمثلة وكأنها قد رسمت رسما مزدوجا على نحو ما رأينا في بعض أمثلة الهمزة المتطرفة أو المبتدئة حين يعرض لها التوسط بسبب ما أشرنا إليه من عوامل.

وسبق أن بينا أن لتمثيل الهمزة في الكتابة العربية طريقتين: هما: أولا أن ترسم ألفا بأية حركة تحركت وفي أي مكان من الكلمة أتت، وذلك عند من يحققون الهمزة على كل حال، لأن الألف في الأصل هي رمز الهمزة. وثانيا: أن ترسم ألفا في أول الكلمة فحسب وترسم في غير أول الكلمة بحسب ما تؤول إليه في التخفيف وذلك عند أهل التخفيف الذين لا يحققون إلا في أول الكلمات، والهمزة الواقعة أولا قد يعرض لها التخفيف.

وقد ذكرنا فيما سبق الروايات التي تشير إلى أن الهمزة رسمت في مصاحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الكوفة بالألف في كل حال، وأن ذلك كان مذهبا لجماعة من العرب في كتابة الهمزة [1] ، ولما كانت الكوفة على اتصال دائم بقبائل شرقي الجزيرة العربية ووسطها، ولقربها من الحيرة معقل الكتابة العربية قبل الإسلام فمن المحتمل أن يكون رسم الهمزة في هذه البيئات قد جرى قبل الإسلام على لغة من يحققون الهمزة، أي أنها رسمت ألفا على كل حال. ثم ورثت الكوفة في أول عهدها هذه الطريقة في تمثيل الهمزة.

ولما كانت الروايات التاريخية تكاد تجمع على أن الكتابة العربية انتقلت من الأنبار والحيرة في العراق إلى حواضر الحجاز ومدنه قبل الإسلام بقرن أو قرنين فإن صور هجاء الكلمات المهموزة حين انتقلت، وهي تمثل نطق من يحققون الهمزة ومرسومة دائما بالألف، قد أخذت تتخلى عن تلك الصور وبدأت تستجيب لنطق أهل الحجاز في تخفيف الهمزة ويبدو أن قرنا أو قرنين من الزمان لم يكن كافيا لإزالة صور هجاء الكلمات المهموزة تماما، فكانت لها بقايا في غير أول الكلمات، وأحيانا أثبت رمز النطق الجديد إلى جانب رمز النطق القديم، وبذلك كان هذا الانتقال للكتابة من بيئة

(1) انظر الفراء: معاني القرآن، ج 2، ص 134و 220، وج 3، ص 36. وانظر أيضا ابن جني: سر صناعة الإعراب، ج 1، ص (4746) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت