المهموزة مرسومة بأكثر من صورة هجائية أو جاءت مرسومة بطريقة متميزة إلى جانب بعض الظواهر التي لم يصل البحث فيها إلى تفسير قاطع لقلة الوسائل التي تعين في الوصول إلى مثل ذلك التفسير أو عدمها، فتظل لذلك تنتظر ما سوف تكشف عنه بحوث المستقبل.
وقد أتيحت دراسة هجاء الهمزة على النحو السابق استنادا إلى التصور العام الذي واجهنا به المشكلة وهو أن رسم الهمزة في المصحف جرى على لغة وقراءة أهل الحجاز في تسهيل الهمزة، والذي دلت عليه دلائل كثيرة فمن إجماع أقوال علماء السلف على أن تخفيف الهمزة في غير أول الكلمة كان من خصائص لغة أهل الحجاز، إلى تواتر الرواية بأن أصل قراءة أهل المدينة إنما هو التخفيف وترك الهمز. ثم دلالة رسم المصحف نفسه على الطريقة التي جرى عليها رسم الهمزة فيه، وقد يسر علينا خطوات هذه الدراسة تبين الاتجاهين اللذين ظهرا في الكتابة العربية لتمثيل الهمزة، الأول: كتابتها بالألف في جميع أحوالها على لغة من يحققونها، والثاني: كتابتها في غير أول الكلمة حيث ظلت تصور بأصل رمزها وهو الألف لأنها لا تسهل في هذا المكان على لغة أهل التخفيف حسب ما تؤول إليه في التخفيف من واو أو ياء أو حركة طويلة.
ويبدو أن هذا المبحث الخاص بدراسة رسم الهمزة قد استغرق صفحات كثيرة بالنسبة لمواضع البحث الأخرى إلا أن طبيعة المشكلة ومحاولة مواجهتها بتفسير شامل حتم تناول الموضوع بهذا الشمول والتتبع لكل الظواهر المتعلقة بمشكلة رسم الهمزة، ومع كل هذا فإن ما عرضناه هنا إنما يمثل الاتجاهات العامة والظواهر البارزة في المشكلة، ولو رحنا نتتبع كل أمثلة الظواهر المتعلقة برسم الهمزة ونحاول أن نتبين أصل صور هجائها لتضاعف عدد صفحات هذا المبحث، ولكن اقتصرنا من الأمثلة على ما يغني ذكره عن إيراد غيره من الأمثلة التي ترجع إلى ظاهرة واحدة.
وربما كان ركام شتى المذاهب المتضاربة والآراء المتباينة، في الهمزة صوتا وكتابة البعيدة عن واقع المشكلة قد حتم الإفاضة في بعض الجوانب لنصل إلى الرأي الصحيح في ذلك، ونتيجة لسعة موضوع الهمزة وما يتعلق به من قضايا فقد أثر ذلك أحيانا على العمق في البحث لتغطية المساحة الواسعة التي تمتد إليها المشكلة.
وبالرغم من ذلك كله ومعه فإن الوصول إلى التفسير الصحيح لهذه المشكلة التي شغلت جزءا كبيرا من جهود العلماء على مدى العصور سواء في الرسم العثماني أم في الهجاء الإملائي يعدّ وحده مبررا قويا لأن تتسع صفحات هذا المبحث من أجل الاقتراب من ذلك التفسير الذي أرجو أن تكون الصفحات السابقة قد ساهمت في التقريب منه أو في الوصول إليه.