وإذا كنا نجد أن الكلمة في الكتابة العربية أخذت في الفترات التالية للقرون الهجرية الأولى تتميز بغض النظر عن عدد المقاطع الكتابية التي تتكون منها بنوع من الاستقلال الشكلي حيث يترك الكتاب فراغا مناسبا بين كلمة وأخرى لا نجده بين المقاطع المنفصلة التي تتكون منها كلمة معينة، فإن الكلمة في عصر نسخ المصاحف العثمانية إذا كانت مكونة من عدة مقاطع كتابية بدا كل مقطع مستقلا عن غيره من المقاطع التي تشاركه في بناء تلك الكلمة، فنجد الفسحة بين المقاطع الكتابية للكلمة الواحدة لا تختلف عن الفسحة المتروكة بين رسم كلمة وكلمة أخرى، وهكذا يبدو المقطع الكتابي الواحد مهما كان عدد الحروف التي يتكون منها هو الأساس الذي يقوم عليه توزيع الكلمات في السطر، فجملة مثل {الْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ الْعََالَمِينَ} * نجد فيها سبعة
مقاطع كتابية بعضها مكون من حرف واحد (أر ب أ) ، وبعضها مكون من ثلاثة حروف {لِلََّهِ} *، أو أربعة (لحمد) أو ستة (لعالمين) ، وكل مقطع من هذه المقاطع يفصله عما قبله وما بعده فراغ يعادل الفسحة المتروكة بين رموز كلمة وكلمة أخرى، سواء كان المقطع في نهاية كلمة أو في وسطها، ومن ثم فإن من اليسير إذا وقعت بعض مقاطع كلمة في نهاية سطر أن يرسم الكاتب المقاطع الأخرى منها في أول السطر التالي، وهو ما نجده في الرسم العثماني يشكل ظاهرة عامة كما يبدو في المصاحف المخطوطة القديمة التي اطلعت عليها.
لقد كانت ظاهرة توزع مقاطع الكلمة المكتوبة على الشكل الذي بيناه، ظاهرة عامة تميزت بها الكتابة العربية، في تلك الفترة، فبرزت في الرسم العثماني حين استعمل الصحابة رضوان الله عليهم الكتابة العربية بكل ما فيها من خصائص في تدوين القرآن الكريم في المصاحف، فنجد في نقش القاهرة (31هـ) كلمة (الكتب) قد توزعت كتابتها بين السطر الخامس والسادس إذ كتب الكاتب (الألف) في نهاية السطر الخامس وبقية الكلمة في أول السطر السادس، كذلك نجد في نفس النص كلمة (الآخر) قد توزع هجاؤها بين نهاية السطر السادس وأول السابع، ونفس الظاهرة نجدها في نقش الأشعري (64هـ) فكلمة {الْحَمْدُ} * موزعة بين السطر الثاني والثالث، وكذلك هجاء كلمة (الله) موزع بين السطر الثالث والرابع، وفي نفس النص نجد كلمة (إسرافيل) موزعة بين السطر السادس والسابع. وكذلك نجد الظاهرة نفسها في نقش الطائف المؤرخ بسنة (58هـ) في خلافة أمير المؤمنين معاوية في كلمة {اللََّهُمَّ} * حيث توزع هجاؤها بين السطر الثالث والرابع، ومثلها كلمة أمير في نفس النقش في السطرين التاليين، ونجدها أيضا في نقش طريق خان الحثرورة (86هـ) ، فكلمة (أمير) جاءت موزعة بين السطر الرابع والخامس، وربما استمرت هذه الظاهرة حتى القرن الثاني الهجري حين بدأ العلماء يضعون قواعد الكتابة والهجاء العربي (انظر صورة النقوش في الملحق) .
ومن الممكن أن نقسم الأمثلة التي جاءت موصولة مرة ومفصولة أخرى في الرسم العثماني إلى ما يحدث فيه تأثر بين آخر صوت من أصوات الكلمة الأولى وأول صوت من أصوات الكلمة الثانية، حين يتصلان في النطق اتصالا مباشرا لا تفصل فيه بينهما حركة مع اتحاد مخرجي الصوتين أو قربهما، سواء أكان ذلك التأثر يصل إلى درجة الفناء التام للصوت الأول في الثاني (الإدغام) أم كانت درجة التأثر دون ذلك، والقسم
الثاني هو ما لا يصحبه مثل ذلك التأثر المشار إليه إذ تفصل فيه بين الصوتين حركة تحول دون ذلك.