لعل استخدام النّقط المدورة في تمثيل حركات الإعراب قد ظهر في المصحف ولو على نطاق محدود قبل وفاة أبي الأسود الدؤلي، إذ من غير المعقول أن تجمع المصادر على نسبة ذلك العمل إليه دون أن يستخدم في حياته.
روى الداني أن عبد الله بن عمر (ت 73وقيل 74هـ) كان يكره نقط المصاحف [1] ، وروى أبو عبيد عن إبراهيم ولعله إبراهيم النخعي (ت 96هـ) فقيه أهل الكوفة ومفتيها «أنه كان يكره نقط المصاحف، ويقول: جردوا القرآن ولا تخلطوا به» [2] ، وينقل أبو عبيد وابن أبي داود والداني عن كل من الحسن البصري وابن سيرين (توفيا 110هـ) أنهما كرها نقط المصاحف [3] ، وقد روى ابن أبي داود عن الأوزاعي أن قتادة (ت 117هـ) قال «وددت أن أيديهم قطعت يعني من نقط المصاحف» [4] .
وهذه الروايات تبين أن النقط دخل المصاحف في وقت مبكر ولكن لا يزال بعض الأئمة يكرهون الزيادة في المصاحف العثمانية، وبذلك يكون القرن الهجري الأول قد انقضى ونقط المصاحف لا يزال محدود الاستعمال، لكن الحسن البصري وابن سيرين كما رويت عنهم أخبار عن كراهتهم ذلك رويت عنهم أخبار تشير إلى تجويزهم نقط الحركات في المصاحف، فقد روى أبو عبيد «عن هشيم قال أخبرنا منصور (ت 128هـ) قال: سألت الحسن عن نقط المصاحف فقال: لا بأس به ما لم تبغوا» [5] . وروى ابن أبي داود عن أبي رجاء قال: «سألت محمد بن سيرين عن المصحف ينقط بالنحو، قال: أخشى أن يزيدوا في المصحف» [6] ، وقد روى ابن أبي داود أن ابن سيرين كان يقرأ في مصحف منقوط [7] ، نقطه له يحيى بن يعمر [8] ، وكذلك روى نافع بن أبي نعيم
(1) المحكم، ص 10، ولا بد من الإشارة هنا أن في مخطوطة أخرى للمحكم جاء (أبو عمرو) بدلا من (ابن عمر) .
(2) فضائل القرآن، لوحة 57. وانظر الداني: المحكم، ص 11.
(3) انظر: فضائل القرآن، لوحة 57، وكتاب المصاحف، ص (142141) ، والمحكم، ص 10.
(4) المصاحف، ص 141.
(5) فضائل القرآن، لوحة 57، وانظر الداني: المحكم، ص 12.
(6) المصاحف، ص 141. والداني: المحكم، ص 11.
(7) المصاحف، 142، وانظر الداني: المحكم، ص 12.
(8) أبو بكر الزبيدي: ص 23، والقرطبي: ج 1، ص 63.