إن هذا الموضوع يبدو أكثر تعقيدا من موضوع تمثيل الحركات ولذلك فهو لا يخلو من غموض، لنقص في الوثائق والروايات، ومن ثم سوف أتناوله بما تيسر من الروايات التاريخية محاولا الاستعانة بالوثائق المخطوطة القليلة في الوصول إلى المعالم البارزة لتاريخ تمييز الرموز المتشابهة الصور، تاركا القضية بعد ذلك لجهود الباحثين، وما يمكن أن يكشفه المستقبل من روايات أو وثائق مخطوطة تصحح وتوضح ما بأيدي الناس اليوم.
وإذا تجاوزنا الرواية التي تنسب وضع الإعجام في الكتابة العربية إلى عامر بن جدرة [1] ، وحاولنا الاستعانة بالروايات التاريخية الأخرى نجدها على قسمين: قسم يرى أن واضع الشكل هو الذي وضع الإعجام، فقد قال الجعبري [2] : «الظاهر أن مبتدعه واضع الشكل» وقال ابن عاشر الأنصاري [3] : «لم أجد نصا في تعيين أول من نقط في المصاحف نقط الإعجام، وقال الجعبري في خاتمة الجميلة (الخميلة) الظاهر أن مبتدعه واضع الشكل، ويظهر لي والله أعلم أنهم لم يتعرضوا له لأنه كان موجودا في نفسه» ، ولا تعطي هذه الرواية تاريخا محددا، ولا تقدم شيئا جديدا [4] ، أما القسم الثاني من الروايات فهو أقدم بكثير من السابقة، ومن الغريب أن الجعبري وابن عاشر لم يطلعا عليها، وهي في الحقيقة رواية واحدة، ورغم أنها تقدم معلومات محددة، وتربط إدخال العلامات المميزة للرموز المتشابهة بأشخاص معروفين وبزمان ومكان معينين، إلا أنها لم تسلم من الغموض الذي يدفع إلى عدم الاطمئنان الكامل إلى ما ورد فيها.
الطرف ما يشبه حرف السين، ونجد أمثلة لذلك في بعض مخطوطات المصاحف القديمة وبعض النقوش، ويقدّم مصحف جامع عمرو أمثلة متعددة، من ذلك (48/ 26) (فأنزل الله سكينته) إذ نجد أن سنّتي الياء والتاء في كلمة (سكينته) جاءتا أطول من سنّة النون التي تتوسطهما وبذلك أشعر الكاتب أن هذه السنّات الثلاث ليست سينا.
(1) انظر ص 26من الفصل التمهيدي، وقد نسب الداني (المحكم، ص 35) وضع الإعجام إلى (أسلم بن خدرة) نقلا عن هشام الكلبي، وكأنه حدث تصحيف في الاسم في رواية الداني.
(2) خميلة أرباب المراصد، ورقة 316أ.
(3) فتح المنان المروي بمورد الظمآن، ص 51.
(4) انظر في نفس معنى الرواية: القلقشندي، ج 3، ص 155.