[البقرة] إن المعنى (ملاقون ربهم) ثم يقول «ولا يجوز في القرآن إثباتها لأنه خلاف للمصحف، ولا يجوز أن يقع شيء في المصحف مجمع عليه فيخالف، لأن اتباع المصحف أصل اتباع السنة» [1] . وقال في {لََا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللََّهَ (83) } [البقرة] أن القراءة بالياء والتاء ثم قال «وروي وجه ثالث، لا يؤخذ به، لأنه مخالف للمصحف، قرأ ابن مسعود: لا تعبدوا» [2] . كذلك قد رد ابن خالويه قراءة من قرأ (مليك) في فاتحة الكتاب بقوله «ولم يقرأ به أحد لأنه يخالف المصحف ولا إمام له» [3] . وقد استعمل ابن مجاهد هذا المقياس كثيرا في كتاب السبعة [4] . ليس هذا فحسب بل إن المقياس استعمل في الحكم على قراءة بكاملها، فقد ذكر ابن الجزري عن قراءة ابن محيصن المكي (ت 123هـ) «ولولا ما فيها من مخالفة المصحف لألحقت بالقراءات المشهورة» [5] .
وتظهر قوة هذا الركن في قبول القراءة أو ردّها مما أقدم عليه محمد بن أحمد بن أيوب المعروف بابن شنبوذ (ت 328هـ) فقد «كان يرى جواز القراءة بما صح سنده، وإن خالف رسم المصحف» [6] . ويرى جواز الصلاة بما جاء في مصحف أبيّ، ومصحف ابن مسعود وبما صح في الأحاديث [7] . وقد ذكر ابن النديم أمثلة لقراءته من مثل (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله) ، ومثل (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) وما شابه ذلك [8] .
وكان قد ناهضه ابن مجاهد لقراءته تلك وعقد له الوزير ابن مقلة مجلسا بحضور ابن مجاهد وجماعة من العلماء والقضاة وكتب عليه به المحضر واستتيب عنه بعد اعترافه به [9] . وقد أورد ابن النديم صورة لكتاب رجوعه عن قراءاته تلك وهو: «يقول
(1) إعراب القرآن ومعانيه، ج 1، ص 93.
(2) ص 132، وانظر مثالا آخر: ص 202.
(3) إعراب ثلاثين سورة، ص 23.
(4) انظر: ص 107و 420و 684.
(5) غاية النهاية، ج 2، ص 167.
(6) القسطلاني: ج 1، ص 105.
(7) الذهبي: معرفة القراء، ج 1، ص 222، وانظر ابن الجزري: غاية النهاية، ج 2، ص 54.
(8) الفهرست، ص 31. وانظر ابن الجزري: غاية النهاية، ج 2، ص 55.
(9) ابن الجزري: غاية النهاية، ج 2، ص 54.