القواعد الإملائية التي وضعوها في فترات لاحقة للفترة التي ترجع إليها ظواهر الرسم، لأن المنهج المناسب لدراسة اللغة وتحليلها هو الذي يقوم على دراسة ما كان لا ما ينبغي أن يكون.
وسبق أن مقياس قبول القراءة صار بعد نسخ المصاحف صحة نقلها وعدم خروجها عن الرسم، ولم يكن من بين شروط القراءة الصحيحة موافقة العربية، لأن هذا الشرط لم يكن له مكان في وقت كانت تعتبر فيه العربية هي ما كان يتكلمه العرب كلهم لا ما وجد فيما بعد في كتب النحو، لكن بعد أن استقرت قواعد النحاة واعتبروا ما خرج عن المطرد شاذا نظر إلى القراءات من خلال ذلك المبدأ، خاصة من قبل النحاة، وتحقيقا لأن تكون القراءة القرآنية بالغة المثل الأعلى في عربيتها جعلت موافقة العربية شرطا لقبول القراءة، وتعرضت بعض القراءات لنقد من جراء هذا المقياس [1] .
وكان مذهب معظم القراء هو أن القراءة متى صح نقلها ووافقت خط المصحف فهي القراءة الصحيحة المقبولة، وقد أكد هذا المعنى أبو بكر الأنباري كثيرا في كتابه إيضاح الوقف والابتداء، وهو يتحدث عن القراءات، والوجوه الجائزة في العربية في، وكان يردد كثيرا مثل قوله «ويجوز في العربية ولا يجوز لأحد أن يقرأ بهذا لأنه لا إمام له)» [2] . ومثل «وهذا الوجه الثالث سمعه الكسائي من العرب. ولا يجوز لأحد أن يقرأ به لأنه لا إمام له» [3] . ويقول «زعم الفراء أن من العرب من يقول (أني اقتلوا) و (أني اضرب بعصاك الحجر) وليس مما قرأت به القراء، ولكنه مذهب للعرب غير داخل في القراءة» [4] . فالرواية وصحة النقل هي الأساس عنده. وقد عبر الزجاج عن نفس هذا المعنى وهو يناقش قراءة الحسن (أجمعون) في قوله تعالى: {أُولََئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللََّهِ وَالْمَلََائِكَةِ وَالنََّاسِ أَجْمَعِينَ (161) } [البقرة]
(1) انظر ابن مجاهد: ص 168و 278و 300و 336و 401و 409و 553و 686و 692، وابن جنّي:
المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات، القاهرة، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ج 1، ص 33. والزركشي: ج 1، ص 318. وانظر أيضا د. عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن، ص 203 وما بعدها.
(2) إيضاح الوقف والابتداء، ج 1، ص 321. وانظر أيضا: ص 314و 319.
(3) نفس المصدر، ج 1، ص 454.
(4) نفس المصدر، ج 1، ص 465.