فقال [1] : «وهذا جيد في العربية إلا أنني أكرهه لمخالفة المصحف، والقراءة إنما ينبغي أن تلزم فيها السنة، ولزوم السنة فيها أيضا أقوى عند أهل العربية، لأن الإجماع في القراءة إنما يقع على المعنى الجيد البالغ» .
واستنادا إلى هذا الموقف نص القراء والنحاة على أن القراءة لا يجوز فيها القياس، قال ابن جني: إن القراءات «تؤثر رواية ولا تتجاوز» [2] . وتحدث كل من ابن مجاهد وأبو الطيب عبد المنعم بن غلبون (ت 389هـ) وأبو علي الفارسي عن عدم جواز القياس في القراءات، فقال ابن مجاهد [3] : «ولو كانت القراءة قياسا إذن لزم من أمال (في الغار) و (بخارجين) أن يميل {بِطََارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) } [الشعراء] {وَالْغََارِمِينَ (60) } [التوبة] » .
وقال ابن غلبون [4] : «لا قياس في القرآن لا في فتح ولا إمالة» . وقال أبو علي: «وليس كل ما جاز في قياس العربية تسوغ التلاوة به حتى ينضم إلى ذلك الأثر المستفيض بقراءة السلف له، وأخذهم به لأن القراءة سنة» [5] .
وكان هذا الفهم للقراءات هو المقياس الذي ينظر من خلاله إلى اختيارات القراء فقد ذكر أبو عبيد قراء مكة الذين انتهت إليهم القراءة بعد جيل التابعين، وهم ابن كثير وحميد بن قيس الأعرج ومحمد بن محيصن، وقد قال عن ابن محيصن «كان ابن محيصن أعلمهم بالعربية وأقواهم عليها» [6] . وقال عن قراءته ابن مجاهد «كان لابن محيصن اختيار في القراءة على مذهب العربية، فخرج به عن إجماع أهل بلده فرغب الناس عن قراءته، وأجمعوا على قراءة ابن كثير لاتباعه» [7] . وكان عيسى بن عمر الثقفي
(1) إعراب القرآن ومعانيه، ص 202.
(2) الخصائص، ج 1، ص 398.
(3) كتاب السبعة، ص 149.
(4) قال في كتابه (الاستكمال في التفخيم والإمالة) ، مخطوط في مكتبة المتحف البريطاني برقم (3941/ 2شرقيات) ، ورقة 54أ، نقلا عن د. أحمد نصيف الجنابي: الدراسات اللغوية والنحوية في مصر، رسالة دكتوراه، مقدمة لكلية الآداب، جامعة عين شمس، 1975، ص 42.
(5) الحجة، ج 1، ص 5، وانظر أبو حيان: البحر المحيط، مج 1، ص 20.
(6) علم الدين السخاوي: جمال القراء، ورقة 150أ، وانظر ابن الجزري: غاية النهاية، ج 2، ص 167.
(7) ابن الجزري: غاية النهاية، ج 2، ص 167.