حيث الصحة والشذوذ هي أصدق تعبير عن واقع العربية في فترة ظهور الإسلام من حيث الأصوات والمفردات والتراكيب [1] .
وخير ما يمثل موقف القراء من هذه القضية هو ما قاله أبو عمرو الداني في كتابه (جامع البيان) وهو يتحدث عن قراءة أبي عمرو بن العلاء (بارئكم) (البقرة 2/ 54) بالإسكان بدل حركة الإعراب، قال [2] : «وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل والرواية إذا ثبتت لا يردها قياس عربية ولا فشو لغة، لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها» .
وظل ما قاله الداني يمثل موقف القراء من هذا الموضوع، وقد صرح ابن الجزري أن «من المحال أن يصح في القراءة ما لا يسوغ في العربية، بل قد يسوغ في العربية ما لا يصح في القراءة، لأن القراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول» [3] . وقد عدّل ابن الجزري نتيجة لهذا الموقف في صيغة الركن الثالث من أركان القراءة الصحيحة فقال مرة «كل قراءة وافقت العربية مطلقا» [4] . وقال في أخرى «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه» [5] . فأضاف (ولو بوجه) ، وقد بين الغرض من هذه الإضافة بقوله [6] : «وقولنا في الضابط (ولو بوجه) نريد به وجها من وجوه النحو سواء كان أفصح أم فصيحا، مجمعا عليه أم مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح، إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم، وهذا هو المختار عند المحققين في ركن موافقة العربية، فكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو أو كثير منهم ولم يعتبر إنكارهم بل أجمع الأئمة المقتدى بهم من السلف على قبولها» ثم أورد أمثلة لتلك القراءات التي أنكرها بعض النحاة من مثل إسكان {بََارِئِكُمْ (54) } * [البقرة]
(1) انظر د. عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن، ص 8، والقراءات القرآنية (له) ، ص 7.
(2) جامع البيان، ورقة 171أ، وانظر ما قاله الفخر الرازي، ص 185من هذا البحث.
(3) النشر، ج 1، ص 429.
(4) منجد المقرئين، ص 15.
(5) النشر، ج 1، ص 9.
(6) نفس المصدر، ج 1، ص 10. وانظر السيوطي: الإتقان، ج 1، ص 211.