فهرس الكتاب

الصفحة 552 من 692

من كلام أبي طاهر ذاك ما يظهر لنا منهج القراء في الاختيار والأساس الذي بنوا عليه اختياراتهم، ومما قاله أبو طاهر بن أبي هاشم عن ابن مقسم [1] : «وقد دخلت عليه شبهة لا تخيل [2] بطولها وفسادها على ذي لب وفطنة صحيحة، وذلك أنه قال: لما كان لخلف بن هشام وأبي عبيد وابن سعدان أن يختاروا، وكان ذلك لهم مباحا غير منكر، كان ذلك لي أيضا مباحا غير مستنكر، فلو كان هذا حذا حذوهم فيما اختاروه، وسلك طريقا كطريقهم، كان ذلك مباحا له ولغيره غير مستنكر، وذلك أن خلفا ترك حروفا من حروف حمزة واختار أن يقرأ على مذهب نافع، وأما أبو عبيد وابن سعدان فلم يتجاوز واحد منهما قراءة أئمة القراء بالأمصار، ولو كان هذا الغافل نحا نحوهم كان مسوغا لذلك غير ممنوع منه، ولا معيب عليه، بل إنما كان النكير عليه شذوذه عما عليه الأئمة الذين هم الحجة فيما جاءوا به مجتمعين ومختلفين» .

ويبدو أن إنكار ما ذهب إليه ابن مقسم من تجويزه القراءة بأي وجه صح من حيث العربية ووافق المصحف وإن لم ينقل كان إجماعا من عامة أهل زمانه، حتى أن ابن درستويه (ت 346هـ) ألف كتابا سماه (كتاب الرد على ابن مقسم في اختياره) [3] ، ولعله ألفه في الرد على مذهب ابن مقسم في القراءة كما يدل عنوان الكتاب.

وهذه الأقوال والمواقف التي عرضناها تدل على إجماع القراء وعلماء العربية على أن قراءة القرآن لا تجوز بالقياس ولا بالاجتهاد ولا بد فيها من صحة النقل أولا وموافقة الخط ثانيا، لكن هناك وجها آخر للقضية وهو الموقف الذي اتخذه بعض العلماء من النحاة خاصة تجاه بعض القراءات التي لا تنطبق عليها قواعدهم واتهامها بالشذوذ والضعف من حيث العربية [4] . وهو موقف يأباه القراء ولا يلتفتون إلى القائلين به والحق معهم ذلك لأن القواعد التي وضعها النحاة جاءت لاحقة، ووضعت لغرض تعليمي بحت ينفي الشذوذ ولا يعنى إلا بالأمثلة المطردة، والقراءات مهما كانت من

(1) تاريخ بغداد، ج 2، ص 208، وانظر أبو البركات الأنباري: ص (290289) .

(2) (لا يخفى فسادها على ذي لب) هذا هو نص أبي البركات الأنباري (انظر: الهامش السابق) .

(3) انظر ابن النديم: ص 63. والقفطي: ج 2، ص 114. وكان ابن النديم قد ذكر لابن درستويه (ص 35) كتابا آخر هو كتاب الاحتجاج للقراء.

(4) انظر: هامش (549) من هذا الفصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت