ومع أن الأزهرى (ولد 282ت 370هـ) كان معاصرا لأبي بكر بن مجاهد ولتلامذته الذين رووا عنه القراءات السبع التي اختارها من قراءات أئمة الأمصار المشهورين بالقراءة في زمانه فإنه عبر بقوله هذا عن موقف الأجيال السابقة حتى عصره من تعريف الشاذ بأنه ما خالف رسم المصحف، لكن هذا المقياس اختل قليلا على يد تلامذة ابن مجاهد الذين حصروا القراءات الصحيحة في السبع التي اختارها ابن مجاهد من بين قراءات الأئمة وأطلقوا على ما عداها اسم الشذوذ، وقد ظلت آثار هذا الاتجاه بادية في مواقف بعض العلماء، لكن التعريف القديم للشاذ بأنه ما خالف رسم المصحف عاد تدريجيا في السنين التالية، إلا أن تأليف ابن مجاهد كتابه الكبير في قراءات الأئمة السبعة كان نقطة تحول في دراسة القراءات وروايتها وتغيير مفهوم الشذوذ فيها، فقد كانت الرواية والتأليف قبله تشمل كافة القراءات واختيارات الأئمة المشهورين، لكن عمله ذاك جعل الجهود تتركز على تلك السبع، وضمّ إليهم بعد ذلك ثلاثة من القراء ثم هناك من يزيد أربعة آخرين. وقد اعتبر ما عدا السبع من القراءات حينا من الدهر شاذا.
إن محاولة التعرف على طريقة التأليف في كتب القراءات قبل ابن مجاهد تبين لنا عمق أثر اختياره في هذا المجال، فقد روى ابن عطية في مقدمة تفسيره الجامع وهو يتحدث عن نقط المصحف في خلافة عبد الملك أن الحجاج «أمر وهو والي العراق الحسن ويحيى بن يعمر بذلك، وألّف إثر ذلك بواسط كتابا في القراءات جمع فيه ما روي من اختلاف الناس فيما وافق الخط، ومشى الناس على ذلك زمانا طويلا إلى أن ألف ابن مجاهد كتابه في القراءات [1] . ويفهم من هذا النص أن يحيى بن يعمر (ت قبل 90هـ) الذي ألف ذلك الكتاب. وألّفت كتب كثيرة بين تاريخ تأليف يحيى لكتابه الذي اعتبر فيه ما خالف الخط شاذا كما يفهم من النص السابق وبين عصر ابن مجاهد، وقد أحصى باحث محدث الكتب التي ذكر أنها ألفت في القراءات حتى عصر ابن مجاهد (ت 324هـ) فذكر أربعة كتابا [2] . أولها كتاب يحيى بن يعمر، ثم تتوالى الكتب
(1) مقدمة تفسير ابن عطية، ص 275، ونقل هذا النص القرطي، ج 1، ص 63. وانظر فؤاد سزكين:
ج 1، ص 147.
(2) د. عبد الهادي الفضلي: قراءة ابن كثير وأثرها في الدراسات النحوية، رسالة دكتوراه، مقدمة لكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، 1975، (ص 6560) ، وانظر ابن النديم: ص 35، ود. عبد الصبور شاهين: تاريخ القرآن، ص 217.