بعد ذلك فيذكر أحد عشر كتابا ترجع إلى القرن الثاني، وتسعة وعشرين كتابا ترجع إلى القرن الثالث، وثلاثة إلى أوائل القرن الرابع، وليس بعيدا ألا يكون هذا الإحصاء جامعا لكل ما ألف، لكنه يكشف عن حقيقة ربما غابت عن بعض الدارسين وهي أن تدوين القراءات والتأليف فيها قد بدأ في وقت مبكر. وكان ذلك مواكبا للنقل الشفاهي والرواية [1] .
ويبدو أن كل تلك المؤلفات لم يصل إلينا منها شيء كامل، ولكن وردت أخبار ونصوص منها، والذي يهمنا في هذا المقام هو أن نعرف طريقة التأليف فيها، أو عدد القراءات التي ذكرت فيها، فقد جرى المؤلفون فيها على ذكر ما رووه وسمعوه من قراءات الأئمة المشهورين واختياراتهم، دون تقييد بعدد أو بقراءة شخص معين. فقد ذكر ابن الجزري أن أبا عبيد القاسم بن سلام في كتابه الذي ألفه في القراءات [2] ،
(1) ذكر جرجي زيدان (تاريخ آداب اللغة العربية، ج 1، ص 244243) أن القراءات تنوقلت بالإسناد ولم تدوّن في الكتب إلا بعد نضج التمدن الإسلامي حسب تعبيره وذكر أن أشهر ما وصل إلينا منها كتاب إيضاح الوقف والابتداء لأبي بكر الأنباري (ت 328هـ) علما أن هذا الكتاب في موضوع الوقف في القرآن ثم كتاب التيسير وجامع البيان والمفردات لأبي عمرو الداني (ت 444هـ) وهذا كلام فيه قصور شديد يتناسب والفترة التي كتب فيها وثقافة كاتبها، ولم يزل البحث يكشف كل يوم جديدا في تاريخ القرآن والقراءات، ولكن نجد من يأبى إلا الرجوع إلى ما كتبه جرجي زيدان في كتابه عن تاريخ العلوم الإسلامية واعتبار ما ذكره على سبيل الظن حقيقة مسلمة مخالفها ضال حائد عن الحق، فقد رأينا من قبل موقف الدكتور حسن عون وما جرّه عليه اعتماده على معلومات جرجي زيدان من أخطاء في موضوع نقط المصاحف ووضع الحركات في الكتابة العربية، وهو هنا يتخذ نفس الموقف فيزعم (ص 203) «أن هذه القراءات تنوقلت بالرواية ولم تأخذ شكلها العلمي المنظم إلا في القرن الرابع الهجري. حيث نجد أول كتاب دوّن في هذا العلم، وهو كتاب الإيضاح في الوقف والابتداء لمحمد بن القاسم الأنباري سنة 328هـ ثم يقول (ص 204) : «ومعنى هذا أن علم القراءة بدأ في خلافة عثمان واستمر يمارس مشافهة دون تدوين حتى القرن الرابع الهجري» . ولا أكاد أشك أن جرجي زيدان هو مصدر هذا الكلام، وفيه من التخليط في العبارة والجهل بالحقائق ما لا يخفى على من له أدنى اتصال بتاريخ القرآن وعلومه.
(2) انظر ابن النديم: ص 71، والقفطي: ج 3، ص 22، والذهبي: معرفة القراء، ج 1، ص 142.