فهرس الكتاب

الصفحة 604 من 692

الرواية والكلمات التي تضمنتها يكشف عن حقيقة ربما تغيب عن الناظر فيها لأول وهلة، وقبل أن أشير إلى ما في الرواية نفسها من حقائق أورد بعض الأخبار التي تكشف عن دور الحجاج في خدمة المصحف والمحافظة عليه، وقد سبق أن إعجام خط المصاحف، تم تحت إشراف الحجاج وبأمر من عنده، وقد أورد ابن قتيبة في كتابه (تأويل مشكل القرآن) هذا الخبر وهو يتحدث عن عاصم الجحدري: «وكان الحجاج وكّل عاصما هذا، وناجية بن رمح، وعليّ بن أصمع بتتبع المصاحف، وأمرهم أن يقطعوا كل مصحف وجدوه مخالفا لمصحف عثمان، ويعطوا صاحبه ستين درهما، خبّرني بذلك أبو حاتم عن الأصمعي، قال وفي ذلك يقول الشاعر:

وإلا رسوم الدار قفرا كأنه ... كتاب محاه الباهليّ ابن أصمعا» [1]

وأورد أبو الطيب اللغوي في أخبار الأصمعي قوله «وكان علي بن أصمع جدّ أبي الأصمعي يتولى محو المصاحف المخالفة لمصحف عثمان من قبل الحجاج. وإياه عنى الشاعر بقوله: «إلا رسوم الدار» [2] .

وتشير هذه الرواية التي أوردها ابن قتيبة وأبو الطيب إلى أن الحجاج كان حريصا على المحافظة على هجاء الكلمات في المصاحف كما هو عليه في المصاحف الأئمة، ولما كانت الكوفة منزل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في العراق، وما كان من رفضه وأصحابه تسليم مصاحفهم أو حرقها أول الأمر بعد توحيد المصاحف فمن المحتمل أن تكون بعض الحروف قد تسللت إلى المصاحف العثمانية في الكوفة من مصاحف ابن مسعود وأصحابه القديمة، ومن ثم فإن حرص الحجاج على أن تبقى المصاحف موحدة في هجائها جعله يكل الأمر إلى جماعة من العلماء في عصره لينظروا في المصاحف ويقطعوا أو يمحوا ما كان مخالفا للمصحف العثماني ويعطوا صاحبه من المال ما يستطيع به أن يحوز على نسخة من المصحف العثماني، ومن ثم فإن هناك احتمالا قويا أن يكون أولئك الجماعة قد وجدوا بعض المصاحف لا تخالف المصحف العثماني إلا في حروف يسيرة فرأوا تغييرها فقط دون إتلاف المصحف بكامله، ولعل جزءا مما قاموا به ارتبط باسم الحجاج لأنه الآمر به وجاءت الرواية تقول إن الحجاج

(1) تأويل مشكل القرآن، ص 37.

(2) مراتب النحويين، ص 105، (ط 2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت