الصحابة كانت تخالف المصحف، لكن الإجماع على المصحف العثماني صير تلك الوجوه كالمنسوخة [1] . لا بل إن من بين قراءات السبعة ما يخالف خط المصحف كما أشير إلى ذلك من قبل. فلم يكن خط المصاحف إذن سببا في وجود القراءات القرآنية أو اختلافها، ولكنه كان سببا في حفظ الاختلاف الموجود أصلا، لأن القراءة سنة متبعة [2] . وقد كان الرسم حين عدّت موافقته شرطا في قبول القراءة مقياسا وقائيا، يمنع ما لا يدخل في نطاقه، مما صح من الروايات، فالرسم لا ينشئ القراءة ولكنه يحكم عليها [3] .
وأخيرا فإن القرآن لم ينقل في الصحف والكتب فحسب وإنما ظاهر نقل الكتب والصحف حفظ الحفّاظ والتلقي بالمشافهة والعرض والسماع، وتوالت طبقات القراء، وما نقلناه من كتاب أبي عبيد عن القراءات في القرنين الأول والثاني يصور ذلك المنهج الذي كان يسير عليه القراء في تلقي القرآن ونقله، ومرت صور من حرص القراء على عرض القرآن وسماعه، وطريقتهم في ذلك. وقد وجد القراء أحيانا أن الكتابة لا تضبط اللفظ فكانوا ينصون أن ذلك الحرف لا يضبط إلا بالمشافهة، فقراءة حمزة كلمة {الصِّرََاطَ} * في فاتحة الكتاب بين الصاد والزاي، أي جهر الصاد، ليس في الكتابة العربية رمز يمثلها، لذلك نجد ابن مجاهد يقول «ولا يضبطها الكتاب» [4] . ويقول في مكان آخر في قراءة حمزة {مُسْتَهْزِؤُنَ} في البقرة (2/ 14) «ولا يضبط إلا باللفظ» [5] .
وبلغ بالقراء التحري أن أحدهم إذا شك في حفظه تركه وقرأ بما حفظه قارئ آخر فينقل ابن مجاهد أن أبا بكر بن عياش قال: «كان حفظي عن عاصم {بَئِيسٍ} (الأعراف 7/ 165) على وزن فيعل، قال: ثم جاءني منها شك، فتركت روايتها عن عاصم وأخذتها عن الأعمش {بَئِيسٍ} مثل حمزة [6] . وقرأ ابن كثير وحده {رَأْفَةٌ} * (النور 24/ 2) مفتوحة الهمزة هاهنا، وفي سورة الحديد (57/ 27) ساكنة الهمزة. قال ابن
(1) انظر مكي: الإبانة، ص 10.
(2) د. عبده الراجحي: ص 71.
(3) د. عبد الصبور شاهين: القراءات القرآنية، ص 210.
(4) كتاب السبعة، ص 106.
(5) نفس المصدر، ص 142.
(6) نفس المصدر، ص 297.