مجاهد: «كذا قرأت على قنبل، وقال لي قنبل: كان ابن أبي بزة قد وهم. فقرأهما جميعا بالتحريك، فلما أخبرته أنه إنما هذه وحدها رجع» [1] . وقد بلغ حرص القراء على إتقان الرواية أنه إذا تقدمت السّنّ بالقارئ توقف عن الإقراء خشية التحريف، فكان سليمان بن مهران الأعمش يقرئ الناس ثم ترك ذاك في آخر عمره [2] .
ولا ندري لماذا يصر جولدتسيهر على اعتبار القراءات ناتجة عن خصائص الخط العربي القديم بعد هذا العرض الموجز جدا لتاريخ القراءات وواقعها الذي يبين زيف دعواه وبطلانها؟ ولعل الأمر كان كذلك لأن همه كان أن يدلل على أن الاختلاف في القراءات إنما كان عن هوى من القراء لا عن توقيف ورواية، وهذا هو سر خطئه في منهجه، حيث لم يعتبر أن القراءات إنما هي رواية بالسند الصحيح، وهي سنة يتبعها الآخر عن الأول، ونسي أن القراء لم يأخذوا قراءاتهم إلا بعد بحث وتمحيص للسند وللرجال الذين أخذوا عنهم، ونسي أيضا مقياسهم الذي وضعوه ليميزوا بين صحيح القراءة وسقيمها وبين متواترها وشاذها [3] .
وإذا رجعنا إلى الأمثلة التي استدل جولدتسيهر بها وجدنا خلطا في المنهج الذي اتبعه في عرضها فهو يخلط بين قراءات صحيحة وأخرى شاذة بل هي ليست قراءات، وهو ما يكشف عن منهج غريب عن طبيعة الموضوع الذي يعتمد في أساسه على الرواية بالسند والمشافهة في التلقي، في التلقي، لكن المستشرقين عامة كما يصور ذلك آرثر جفري: «طريقتهم في البحث أن يجمعوا الآراء والظنون والأوهام والتصورات بأجمعها ليستنتجوا بالفحص والاكتشاف ما كان منها مطابقا للمكان والزمان وظروف الأحوال معتبرين المتن دون الإسناد» [4] ولكن متى كان تاريخ القرآن والقراءات يأخذ من الظنون والآراء والأوهام ولا يميز بين الصحيح وبين المكذوب إلا في عقول المستشرقين الذين لم يفهموا أو لم يريدوا أن يفهموا أن هذا القرآن وحي من السماء وأن قراءته حين تنقل فإنما تنقل على ذلك الأساس غير خاضعة لهوى ولا يعتريها تقصير، ولكن آفة المستشرقين أنهم يسوقون
(1) نفس المصدر، ص 452.
(2) ابن سعد: مج 6، ص 342.
(3) انظر عبد الوهاب حمودة: ص (183182) .
(4) مقدمة كتاب المصاحف، ص 4.