فليمحه»، خشية اختلاطه بكتاب الله.
وقد بلغ كتّاب النبي صلى الله عليه وسلّم ثلاثة وأربعين كاتبا كما مر وكان بعضهم منقطعا لكتابة الوحي، ولعل من أشهرهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وحنظلة ابن الربيع [1] .
وكان أول من كتب للنبي من قريش عبد الله بن سعد ثم ارتد ورجع إلى مكة، وعاد إلى الإسلام يوم فتحها [2] . وكان أول من كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلّم مقدمه المدينة أبيّ بن كعب الأنصاري، وكان زيد بن ثابت يكتب معه أيضا، لكن زيدا كان «ألزم الصحابة لكتابة الوحي» [3] .
ويبدو أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان مهتما بتسجيل النص القرآني منذ أن بدأ نزوله عليه في مكة.
وقد جاء في قصة إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن سورة (طه) كانت مكتوبة في صحيفة في بيت فاطمة بنت الخطاب أخت عمر، كانت وزوجها يقرئهما القرآن منها خباب بن الأرت [4] . ولم تكن هذه الصحيفة التي سجلت سورة طه إلا واحدة من صحف كثيرة كانت متداولة بين أيدي الذين أسلموا من أهل مكة، سجلت
(1) انظر المصادر المذكورة في صفحة (49) .
(2) انظر: البلاذري، ص 478. وابن عبد البر: ج 1، ص 68. وابن قتيبة: المعارف، ص 130. ويقدّم الفرّاء قصة تحكي سبب ارتداده فيقول (ج 1، ص 334) : أن النبي صلى الله عليه وسلّم أملى عليه قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسََانَ مِنْ سُلََالَةٍ مِنْ طِينٍ} إلى قوله: {ثُمَّ أَنْشَأْنََاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون 1412] فقال ابن أبي سرح: {فَتَبََارَكَ اللََّهُ أَحْسَنُ الْخََالِقِينَ} تعجّبا من تفصيل خلق الإنسان. فقال له النبي صلى الله عليه وسلّم هكذا أنزلت عليّ، فشكّ وارتدّ، وقال: لئن كان محمد صلى الله عليه وسلّم صادقا لقد أوحي إليّ (كما أوحي إليه) ولئن كان كاذبا لقد قلت مثل ما قال، فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَمَنْ قََالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مََا أَنْزَلَ اللََّهُ} [الأنعام: 93] . ولعل الموقف الذي وجد ابن أبي سرح نفسه فيه بعد ارتداده هو الذي دفعه إلى أن يدّعي على ما يروى أنه كان إذا أملى عليه النبي صلى الله عليه وسلّم {عَزِيزٌ حَكِيمٌ} * كتب {غَفُورٌ رَحِيمٌ} * وكانت وفاته سنة 36وقيل 37هـ، وكان قد عاد إلى الإسلام بعد فتح مكة وحسن إسلامه.
(3) ابن عبد البر: ج 1، ص 68. وانظر: ابن حزم: ص 27. وابن قيم الجوزية: ج 1، ص 29.
(4) ابن سعد: ج 3، ص 268267. وابن هشام: السيرة النبوية، ج 1، ص 344.